كنت إلى جانب الرئيس المظلوم رفيق الحريري وهو يقود سيارته عائدين من السرايا الحكومي إلى منزله لتناول طعام الغداء، حين قلت له : دولة الرئيس، يجب ملاحقة التجار الذين يبالغون بفرض اسعار عالية على بضائعهم، ويدفع الفقراء اثماناً غالية كي يتنعم هؤلاء بالمزيد من الاموال …
رد الرئيس: حسن ! بدك احالة المدن إلى ثكنات عسكرية! يعني ان اجعل كل حي مدجج بالسلاح لمراقبة التجار ؟
وقبل ان اجيب ، لاحقني رحمه الله بما كان يعتمل في نفسه تجاهي قائلا ً :
حسن انت تحب عبد الناصر ، يعني معجب بالجيش ، وتريد الجيش ان يكون موجوداً في كل مكان ..
حسن مش كل ضباط الجيش عبد الناصر .
الرئيس الكبير المظلوم ( واقول المظلوم عملاً بقول الله تعالى : ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطاناً) مس في نفسي امراً شديد الحساسية والأهمية ! كيف ؟
كنت في التاسعة عشر من عمري (1967)عندما تقدمت إلى المدرسة الحربية في الفياضية كتلميذ للتخرج كضابط ، وفشلت في الدخول بعد ان جاء إلى منزل اهلي في المصيطبة شارع داوود ابو شقرا عنصران من الامن العام -، وطبعا في غيابي- للكشف على شخصيتي العائلية ، لكتابة تقرير عن ميولي السياسيةٍ،وعندما عدت إلى المنزل أخبرتني والدتي ام علي رحمها الله، بالموضوع قائلة لي : حسن الشباب نظروا كثيرا إلى صور جمال عبد الناصر ، وسألوني : ابنك حسن بيحب عبد الناصر كتير ! فأجبت كتير كتير ، وتوجهت إلى المكتبة واحضرت كتب عبد الناصر وعرضتها عليهم كدليل على هذا الحب !!
طبعاًكتب عنصرا الامن العام تقريرهما عني كناصري فرسبت في امتحان المدرسة الحربية ولم ادخل الجيش ، لاسباب صحية كما زعم التقرير النهائي!!
فيما بعد جاء العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية عام 2008 وكتبت مقالاً في الشراع تحت عنوان كنت زميلاً للرئيس ميشال سليمان، فقد كان الرئيس سليمان في الدورة نفسها التي قدمت ترشيحي لها ، وانا فشلت فخرجت ودخلت الجامعة اللبنانية ، وهو نجح وتخرج ضابطاً إلى ان ترقى وأصبح قائداً للجيش ثم رئيسا للجمهورية
اتصل بي الرئيس سليمان بعد المقال وسألني عن هذه الواقعة ، فكررت ما ورد في المقال بأنني اردت الدخول إلى الجيش للقيام بانقلاب عسكري على طريقة جمال عبد الناصر ، لتصويب مسار لبنان ، والآن اصبح المسار السياسي في لبنان بعد هذه العقود من السنين عروبياً كما كنت اريد
ويجب ان اعترف انني خلال فترة الاستعداد لامتحانات الكلية الحربية ، كان يتردد على حينا في زاروب العانوتي ( على الرغم من الانتقال إلى شارع ابو شقرا ) شباب من حركة القوميين العرب ، وتحدثت اليهم عن رغبتي بالانضمام إلى الجيش للقيام بانقلاب عسكري كما كتبت ).
العماد عون
جاءني الصديق صائب مطرجي ونسيبه العميد محمد حلال ، في حزيران 1988 وعرضا لقائي مع قائد الجيش العماد ميشال عون ، فذهبت معهم ( برفقة الصديق غسان مطرجي) للقاء عون في منزل قائد الجيش في الفياضية .. ليستمر اللقاء ثلاث ساعات بدأتها بالقول :
جنرال أتيتك لأنني مؤمن بالجيش كمؤسسة وطنية مستقلة تستطيع وحدها إنقاذ الوطن وتخليصه من الميليشيات ( حركة امل ، الحزب الاشتراكي والقوات اللبنانية ) وعند انتهاء اللقاء وكنت في سيارة الصديق غسان اقترح علي ابو العبد كتابة عنوان للمقال عنه هو : ” جنرال الحل”
وهكذا كان
العماد لحود
كنت مقرباً جداً من العماد لحود كقائد للجيش ( كما كنت كذلك مع القاضي الكبير نصري لحود رحمه الله ) وكان يستقبلني في مقره البحري كلما طلبت موعداً وكان يسرني في مسائل سياسية حساسة ، وعندما ورد امكان ترشيحه للرئاسة، كان حماسي له كبيراً ، وكنت في الفترة نفسه محباً ومقرباً من الرئيس المظلوم رفيق الحريري .. وعندما اجرت الشراع استفتاءات شعبية كان فيها العماد لحود الاول في الترشيحات ، وكان الثاني هو الصديق الآخر الراحل الكبير نسيب لحود ، كان هذا يثير غضب محيطين بالرئيس الحريري ، فينقلون مشاعرهم للرئيس، وكانت اجابته لأحدهم كما نقل لي مرة: “حسن بيحب الجيش ، وهو مفتكر انو كل الضباط متل عبد الناصر ، وهو مهووس بعبد الناصر”
كانت هذه الاستفتاءات تعطي مؤشراً شعبياً على مكانة العماد لحود عند الناس ، وكنت غائباً عن حرص الرئيس الحريري على ابعاد لحود عن الرئاسة، وسعيه للتمديد للرئيس إلياس الهراوي ، التي حصلت مرة لنصف ولاية ، وحاول مرة اخرى لكن بشار الاسد الذي بدأ والده يهيؤه لوراثته يميل إلى لحود لإبعاد الهراوي ، على اعتباره (وبري والحريري وجنبلاط )محسوباً على مجموعة اخرى في سورية تضم عبد الحليم خدام وحكمة الشهابي وعلي دوبا وغازي كنعان، وهؤلاء لا يكن لهم بشار وداً وهو اي بشار تربية اللواء محمد ناصيف خير بك ( أبو وائل) الذي كلفه الاسد ادارة الملف الشيعي في لبنان ، لجهة حزب الله وضد نبيه بري .
اختار حافظ الأسد اميل لحود للرئاسة، ورضخ المحسوبون اللبنانيون والسوريون الذين يخاصمهم بشار وناصيف ،ولكن يجب ان اورد ان الاسد الاب قال في حوار مع جريدةٍالاهرام المصرية قبل انتخاب قائد الجيش رئيساً ، انه ايد لحود لان استفتاءات صحفية اجريت في لبنان اكدت ان اغلبية اللبنانيين يميلون لقائد الجيش رئيساً للجمهورية ( ولم يأت على ذكر استفتاءات الشراع )
ولعت بيت لحود والحريري ، ودفعت أنا ثمن هذه الحرائق، فقد كنت من انصار الحريري ومحباً لأميل لحود .. وبعد انتخابه رئيسا، اتصل بي الصديق والزميل عرفات حجازي لينقل لي تأييد الرئيس نبيه بري كي أسعى مع الرئيس الحريري لاكون وزيرا في اول عهد الرئيس لحود ( كان عرفات مستشاراًاعلامياً لبري )
تحدثت بالأمر مع صديقي يومها محسن دلول ( رحمه الله) بالأمر فقال لي ابو نزار : “يا ابو احمد نبيه بدو يبيض وجو معك ، وهو بيعرف انو اللي ما بينجح بالانتخابات النيابية ما ممكن يعملوه وزير ”
التزمت نصيحة ابو نزار ولم اسع لحظة للتوزير ، على الرغم من ان الصديق الكبير المرحوم نصري لحود دعاني للتحرك من اجل هذا الامر مردداً :
ياحسن الرئيسان الحريري ولحود يريدانك معهما في اول وزارة !
بعد ذلك تعرضت علاقتي مع الرئيس الحريري لجفاء بسبب تحريض ضدي في بيت الحريري، بأنني من انصار لحود .. وقد ألمح لي الحريري رحمه الله مرة لذلك ، وكان ردي :
دولة الرئيس أنا احب لحود لأنه نظيف ، واذا جاء رئيساً فهذا لمصلحة البلد ، ومصلحتك ، وراح يخلصك من ابتزازات الهراوي وبري وجنبلاط .. وحتى السوريين اللي ما بيشبعو ..
وكنت اعلم ان التحريض ضدي من الوجوه الصفر في منزل الحريري مستمر…ولم اعر اهتماماً بسبب حبي للحريري ، وقناعتي بحب الرئيس الحريري لي … وظللت على هذا الحال إلى لحظة اغتياله وحتى الآن
اما الجفاء في العلاقة مع الرئيس لحود فقد بدأ بعد تعليق الرئيس لحود على جريمة اغتيال الحريري التي. وصفها ” بالزعرنة ” ، وقد استفزني هذا الوصف للجريمة الكبرى التي ارتكبت بحق الوطن والإنسانية … كثيراً فتوقفت عن طلب اي موعد، فتجمدت علاقتي مع الرئيس لحود الذي يشهد الله انه كان في منتهى الشهامة والمودة معي لسنوات طويلة..
ويجب ان اذكر هنا ان كثيرين حدثوني ان فرصة كبيرة توفرت لي في السياسة وفي الاعلام مع مجىء لحود الى الرئاسة بسبب علاقتي الودية معه ومع الرئيس الحريري ، لكن كل ذلك تبخر مع نزاع الرجلين
وفي احدى المرات سألني شقيقي د علي : لماذا لا تحاول المصالحة بين الرجلين ؟ فشرحت له معادلة القوى داخل النظام السوري الحاكم في لبنان وانتساب كل واحد منهما إلى جناح في السلطة فيها وكل من الجناحين في خطين متوازيين لا يلتقيان ابداً … ثم قلت له : ماذا أفعل إذا كان احدهما( لحود ) يريد ان يدخل الآخر( الحريري ) السجن ، وان الآخر سيعيد خصمه إلى رتبة عريف في الجيش ؟
لعلها فرصة ذهبية ضاعت على البلد ( وانا جزء منه ) كما ضاعت العشرات منها
المهم ان يبقى الجيش صمام امان .
وانا لست نادماً على دفاعي الدائم عن الجيش وعن قناعتي بكون استمرار وحدة واستقرار لبنان مرهون بقوة ووحدة المؤسسة العسكرية…ولعل اعتراضي المبدئي والوطني على اتفاق الاطار وانا اسميه اتفاق العار ناتج عن كونه مؤامرة صهيونية لدق اسفين بين الجيش وبين الناس ، ومؤامرة لشق الجيش بتحريض العدو الصهيوني في كل فقراته على المقاومة التي لن تتوقف عن مواجهةِالعدو ، وحيث ان العدو عجز عن انهاء المقاومة بقدراته العسكرية ، فهو يريد إنهائها بالمواجهة مع الجيش اللبناني ، وهذا لن يحصل بإذن الله


