الخميس، 28 مايو 2026
بيروت
20°C
غيوم متفرقة
AdvertisementAdvertisement

طوني وحسن… من الخوف إلى المحبّة

لا ينسى حسن أول زيارةٍ لطوني إلى حيّ السلم في الضاحية الجنوبية. يومها، كان الهدف بسيطًا جدًا: أن يوصله طوني إلى وادي شحرور، لأن حسن لم يكن يملك سيارة. قال له طوني بعفويته المعتادة: “ما تهكّل هم… أنا بجيبك، بس من مفرق كفرشيما.”

كان حسن يعرف أنّ خلف هذا الاقتراح شيئًا أعمق من مجرد تحديد مكانٍ للقاء. فالحرب الأهلية المشؤومة، وما زرعه السياسيون في النفوس من خوفٍ متبادل، جعلت اللبناني يخاف أخاه اللبناني؛ المسيحي يتردد في دخول المناطق الشيعية، والشيعي يخشى مناطق المسيحيين، وكذلك الدرزي والسني… كأن الوطن الواحد تحوّل مع الزمن إلى جزرٍ خائفة من بعضها. ولعلّ هذا الشعور تحديدًا، كما يقول حسن، كان من الأسباب التي دفعته لاحقًا للعمل على مدّ الجسور وتمتين روابط الوحدة بين اللبنانيين.

استوقفه كلام طوني، فسأله بهدوء: “ولِمَ لا تدخل إلى حيّ السلم؟” ضحك طوني ضحكةً حاول أن يخفي فيها ارتباكه، لكن الخوف كان أوضح من أن يُخفى، وقال بسرعةٍ وتلعثم: “لا لا لا… غير مرّة إن شاء الله… غير مرّة.” عندها أدرك حسن أنّ شيئًا غير مرئي يمنعه من الدخول؛ ليس الحيّ نفسه، بل تلك الصور الثقيلة التي علّقتها الحرب داخل العقول.

انتظره عند جسر كفرشيما، وما إن وصل حتى قال له: “طوني… نسيت غرضًا في البيت، ممكن نروح أنا وإياك نجيبه؟”
في الحقيقة، لم يكن هناك غرضٌ منسيّ. كان حسن يبحث فقط عن ذريعةٍ صغيرة يأخذ بها صديقه نحو الضاحية، ليريه أنّ الناس هنا يشبهون الناس هناك، وأن الخوف أحيانًا يكون أكبر من الحقيقة.
أجابه طوني باندفاعٍ لا يخلو من التردد: “أكيد… إذا بدّك يعني… إذا مضطر… طيب ما مشكلة.”
ابتسم حسن وقال: “طبعًا مضطر.” ودخلا إلى الضاحية.

وهنا كانت الصدمة. ناسٌ عاديون، بيوتٌ متواضعة، أحياءٌ شعبية، وطرقاتٌ متعبة تشبه تعب أهلها. لا وحوش كما صوّرت السياسة، ولا مدن مغلقة كما رسم الخوف في الخيال.

تعمد حسن أن يتوقف في أكثر من محطة، يعرّف الناس إلى “الضيف العزيز”. وفي كل مرة، كانت العبارات نفسها تتكرر بعفويةٍ صادقة: “يا هلا… تفضل… أهلا وسهلا… نوّرت بيتك وأرضك ومحلك.”
كلماتٌ بسيطة، لكنها كانت تهزّ شيئًا عميقًا داخل طوني. اندهاشٌ ممزوج بالفرح، وبشيءٍ من الحزن أيضًا؛ حزن السنوات التي ضاعت بين اللبنانيين بسبب الخوف المتبادل.
وبعد جولةٍ طويلة، التفت طوني إلى حسن وقال بصوتٍ خافت كأنه يراجع عمرًا كاملًا من الصور المكسورة: “معقول كل هالفترة كنّا نخاف من ناس بهالطهارة؟”
ابتسم حسن بحسرة العارف، وأجابه: “طوني… أغلب الشعب اللبناني طاهر ومحب… بس يِحلّوا عنّا السياسيين.”
وبعد أكثر من خمس ساعاتٍ قضاها حسن وطوني في أحياء الضاحية الجنوبية، بين الناس والبيوت والمشاهد التي بدّدت كثيرًا من الصور القديمة في ذهن طوني، انتهت الجولة عند لحظةٍ مختلفة تمامًا عمّا بدأت به.
فقد رفض طوني أن يُعيده حسن إلى مفرق كفرشيما، كما كان في البداية، وقال بثقةٍ امتزجت فيها البساطة مع يقينٍ جديد: “بروح لحالي… من شو بدي خاف؟ هون الناس متلنا متلن، كلّن محبّين، وكلّن عندن نخوة.”
كانت الجملة أقصر من كل الشكوك التي عاشها طويلاً، لكنها بدت كأنها تختصر رحلة عمرٍ من الخوف إلى الاطمئنان.
عاد طوني وحده إلى بيته، لكنّه لم يعد كما كان قبل تلك الزيارة. شيئٌ ما تغيّر في الداخل؛ كأنّ الضاحية لم تعد مكانًا غريبًا، بل صارت جزءًا من خريطة القلب.
ومع الأيام، لم تبقَ تلك الزيارة حدثًا عابرًا، بل تحوّلت إلى موعدٍ شبه يومي. صار طوني يتردّد إلى الضاحية كما لو أنّه يعود إلى مكانٍ يعرفه منذ زمن، وتوسّعت دائرة معارفه هناك، فالتقى أصدقاء جدداً، وفتح له الناس بيوتهم وقلوبهم، كما هي عادة اللبنانيين حين تسقط عنهم طبقات الخوف المصطنع.
وهكذا، لم يعد طوني غريبًا عن المكان، كما لم يعد المكان غريبًا عنه. صار يعرف أسماء الوجوه، وتفاصيل الأزقة، ونبض الحياة اليومية، حتى بدا وكأنّه جزءٌ من نسيجها الطبيعي.
وكان حسن يراقب هذا التحوّل بصمتٍ ممتلئ بالمعنى، كأنّه يرى لبنان الحقيقي يتشكّل أمامه من جديد؛ لبنان الذي يشبه إنسانه البسيط، لا صورته في الخطابات.
وهكذا، من زيارةٍ خجولة بدأت بالخوف، وُلدت علاقةٌ أوسع من الجغرافيا: صداقةٌ صارت تشبه جمال لبنان حين يكون على طبيعته الأولى… بلا حواجز، بلا أوهام، وبقلبٍ واحدٍ يتّسع للجميع.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

روجيه غارودي الفيلسوف المنصف

إقتراح وجيه … من المفكر الفرنسي المشهور الفيلسوف (روجيه غارودي) الذي تزوج ثانية بامرأة فلسطينية ،اسمها (سلمى التاجي الفاروقي)، وتوفي عام ٢٠١٢ عن عمر ثمانية وتسعين عامًا....

عمار علي حسن: توقف “عملية الحرية” يعكس إخفاقا ميدانيا لا تحولا في النهج الأمريكي

قال الكاتب والمفكر عمار علي حسن، إن توقف ما أُطلق عليه “عملية الحرية” لا يعكس تحولًا في السياسة الأمريكية بقدر ما يشير إلى تعثر في تحقيق أهدافها على الأرض. الاتفاق الأمريكي...

دكتور كامل مهنا.. الخيام تفتخر بك

الدكتور كامل مهنا.. رئيس “مؤسسة عامل الدولية”.. اسم محفور في ذاكرة الخيام الصحية والإنسانية.. والكل يشهد لتميزه في مؤسسة ناجحة في عملها على الصعيد الإنساني والصحي...

هاني شاكر صديق العاشقين

ظللنا لعشرات السنين نعتبر ان فريد الاطرش هو مطرب ونديم ورفيق العاشقين .. يعبر بالشجن عن آلامهم ، ويلهم القلوب كما يشعلها بكلماته وأنغامه، وانفعالاته ، ونجزم انه ما من عاشق عربي...

ليس سراً

‏الممثل الاميركي هاريسون فورد عن ترامب: “لا أعرف مجـ،.ـرماً اخطـ،.ـر منه في التاريخ ، ليس لديه أي سياسات، بل لديه نزوات فقط “ شارك الخبر

تخيلوا إن بنت الشيخ الحصري اللي صوته بيهز المآذن، قررت في لحظة تقف قدامه وتختار طريق الغناء.. ياسمين الخيام، أو ”إفراج” زي ما أبوها سماها، اتحولت من بنت الشيخ الحصري...