السبت، 18 يوليو 2026
بيروت
26°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

عندما تبدأ الإمبراطورية الاميركية بمراجعة مشروعها في الشرق العربي والإسلامي

مقابلة نائب ترامب. نموذجاً

لا تكمن أهمية المقابلة التي أجراها نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس مع جو روغان في الجدل الذي أثارته تصريحاته حول جيفري إبستين، ولا في السجال الإعلامي الذي تبعها، بل في أنها كشفت عن تحول أعمق يجري داخل النخبة الأمريكية نفسها: تحول لا يتعلق بتكتيكات إدارة الأزمات، وإنما بمراجعة المشروع الذي حكم الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة.

فمن يستمع إلى فانس يدرك أن النقاش داخل واشنطن لم يعد يدور حول كيفية توسيع النفوذ الأمريكي، بل حول كيفية تقليص كلفة هذا النفوذ، ومن يجب أن يدفع ثمن استمرار الحروب، وما إذا كانت إسرائيل ما تزال تمثل أصلاً استراتيجياً للولايات المتحدة أم أصبحت عبئاً متزايداً على مصالحها.

هذه هي القضية الحقيقية.

لقد قامت الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط طوال ثلاثة عقود على ثلاث ركائز رئيسية: التفوق الإسرائيلي المطلق، ومنع ظهور قوة إقليمية منافسة، وضمان الهيمنة الأمريكية المباشرة عبر القواعد العسكرية والتدخلات المستمرة.

لكن هذه الركائز الثلاث تعرضت خلال السنوات الأخيرة لتآكل واضح.

الولايات المتحدة خرجت من العراق وأفغانستان بعد حروب طويلة أنهكتها اقتصادياً وعسكرياً، وأصبحت الصين المنافس الاستراتيجي الأول، فيما تراجع الشرق الأوسط تدريجياً في سلم الأولويات الأمريكية.

وفي هذا السياق جاء صعود التيار الذي يمثله دونالد ترامب وجيه دي فانس، وهو تيار لا ينطلق من التعاطف مع خصوم الولايات المتحدة، وإنما من سؤال مختلف تماماً: لماذا تستمر واشنطن في تحمل كلفة صراعات لا تحقق لها مكاسب استراتيجية واضحة؟

من هنا يمكن فهم معظم تصريحات فانس.

حين يقول إن إسرائيل تخسر معركة الرأي العام داخل الولايات المتحدة، فهو لا يوجه انتقاداً أخلاقياً لإسرائيل، بل يصف واقعاً سياسياً جديداً. فالدعم الذي كان يحظى بإجماع الحزبين لم يعد كذلك، وأجيال المحافظين الشباب بدأت تنظر إلى السياسة الخارجية بمنظار “أمريكا أولاً”، لا بمنظار الالتزامات التقليدية.

وحين يحذر من تأثير الحكومات الأجنبية على القرار الأمريكي، فإنه يوجه رسالة مفادها أن التحالفات يجب ألا تتحول إلى حق في توجيه السياسة الأمريكية بما يخالف المصلحة التي تراها واشنطن لنفسها.

وحين يتحدث عن تعرضه لهجوم منظم بسبب محاولاته فتح باب التفاوض مع إيران، فإنه يكشف عن صراع داخلي بين مدرستين في السياسة الأمريكية: مدرسة ترى أن إدارة الصراعات بالدبلوماسية أقل كلفة من الحروب، وأخرى ما تزال تعتبر القوة العسكرية الخيار الأول.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن فانس لم يكتف بالدفاع عن التفاوض، بل ذهب إلى مهاجمة من يرفضونه، معتبراً أن البديل الوحيد الذي يقدمونه هو استمرار القصف والحروب بلا أفق سياسي.

هذا ليس خلافاً حول إيران فقط.

إنه خلاف حول طبيعة الدور الأمريكي في العالم.

وتأتي التقارير التي تحدثت عن حملات ضغط رقمية وعلاقات عامة هدفت إلى التأثير في الرأي العام الأمريكي لتضيف بعداً آخر للنقاش، وهو أن المعركة لم تعد تدور في الشرق الأوسط وحده، بل أصبحت تدور داخل المجتمع الأمريكي نفسه، حيث تتنافس رؤيتان: الأولى تريد استمرار النموذج التقليدي للتحالف الأمريكي الإسرائيلي، والثانية ترى أن هذا النموذج أصبح أكثر كلفة من فائدته.

ولا يعني ذلك أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي يقترب من الانهيار.

فالمؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية التي تربط الطرفين ما تزال عميقة، ومن غير المرجح أن تتغير بين ليلة وضحاها.

لكن ما يتغير هو البيئة السياسية التي يعمل فيها هذا التحالف.

فالولايات المتحدة لم تعد تملك الموارد نفسها التي امتلكتها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ولم يعد الرأي العام الأمريكي مستعداً لخوض حروب مفتوحة إلى ما لا نهاية، كما أن صعود الصين جعل الأولوية الاستراتيجية تنتقل تدريجياً من الشرق الأوسط إلى آسيا.

ولهذا تبدو تصريحات فانس مهمة.

فهي ليست إعلاناً عن نهاية التحالف مع إسرائيل، لكنها تعكس بداية مراجعة داخلية لمسلمات استمرت لعقود، وتؤكد أن المشروع الأمريكي في الشرق الأوسط لم يعد يتمتع بالإجماع الذي كان يحظى به سابقاً.

وربما يكون هذا هو أهم ما كشفته المقابلة: ليس أن واشنطن تغير حلفاءها، وإنما أنها بدأت تعيد تعريف مصالحها، وعندما تبدأ الإمبراطوريات بإعادة تعريف مصالحها، فإن الخرائط السياسية كلها تصبح قابلة لإعادة الرسم.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

نظرة في ملف "محمود أحمدي نجاد"

أثارت تقارير صحفية، واستخباراتية إسرائيلية الكثير من اللغط حول الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، وعن تجنيده لصالح الموساد الإسرائيلي أو محاولة تجنيده على اختلاف الروايات....

رد على مزاعم انه لولا حافظ الاسد لم تقم للعلويين قائمة ؟

هذه العبارة او المقولة ،سمعتها كثيرا من بعض السوريين العلويين البسطاء و قد صدّقوها حتى سقطت الاقنعة عن هذه العائلة و اجنداتها القذرة( مع عدم التعميم طبعا ). أكبر خديعة و أكبر كذبة...

شبلي يكتب : قراءة في صراع النفوذ والهيمنة في منطقة الشرق الأوسط بين المطرقة الأمريكية والسندان الإيراني

تحظى منطقة الشرق الاوسط بأهمية قصوى في السياسة الدولية؛ وهي اليوم أمام حالة مواجهة عسكرية استثائية لم تصل إلى مستوى الحرب المفتوحة حيث تجري على الأراضي الإقليمية لعدد من دولها...

الشحن الطائفي... قنبلة موقوتة في يد السياسيين

لم تقتل لبنان رصاصات الحرب الأهلية. الذي يقتله اليوم هو منشور على “فيسبوك”، وخطاب على شاشة التلفزيون، وكلمة “نحن وهم” التي تتكرر كل يوم. لقد تحوّل الشحن...

جحا والسلطة التنفيذية في لبنان

وصل جحا إلى مكان يتم فيه توزيع مساعدات غذائية على محتاجين ، فوجده مكتظاً بالطالبين ، فخطرت له فكرة من عقله، لإبعاد الجموع ليفرغ له مكان فصرخ : النار تشتعل في حيكم وتأكل الاخضر...

حرب "خامنئى" تلحق وداعه

فى ذروة تصاعد حركة الحشود المليونية بتوديع جثمان القائد الأعلى الإيرانى “على خامنئى”، صعدت الاحتكاكات الحربية حول “مضيق هرمز” إلى ذروة جديدة ، تكاد تهدد...