الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026
بيروت
32°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

عندما تبدأ الإمبراطورية الاميركية بمراجعة مشروعها في الشرق العربي والإسلامي

مقابلة نائب ترامب. نموذجاً

لا تكمن أهمية المقابلة التي أجراها نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس مع جو روغان في الجدل الذي أثارته تصريحاته حول جيفري إبستين، ولا في السجال الإعلامي الذي تبعها، بل في أنها كشفت عن تحول أعمق يجري داخل النخبة الأمريكية نفسها: تحول لا يتعلق بتكتيكات إدارة الأزمات، وإنما بمراجعة المشروع الذي حكم الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة.

فمن يستمع إلى فانس يدرك أن النقاش داخل واشنطن لم يعد يدور حول كيفية توسيع النفوذ الأمريكي، بل حول كيفية تقليص كلفة هذا النفوذ، ومن يجب أن يدفع ثمن استمرار الحروب، وما إذا كانت إسرائيل ما تزال تمثل أصلاً استراتيجياً للولايات المتحدة أم أصبحت عبئاً متزايداً على مصالحها.

هذه هي القضية الحقيقية.

لقد قامت الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط طوال ثلاثة عقود على ثلاث ركائز رئيسية: التفوق الإسرائيلي المطلق، ومنع ظهور قوة إقليمية منافسة، وضمان الهيمنة الأمريكية المباشرة عبر القواعد العسكرية والتدخلات المستمرة.

لكن هذه الركائز الثلاث تعرضت خلال السنوات الأخيرة لتآكل واضح.

الولايات المتحدة خرجت من العراق وأفغانستان بعد حروب طويلة أنهكتها اقتصادياً وعسكرياً، وأصبحت الصين المنافس الاستراتيجي الأول، فيما تراجع الشرق الأوسط تدريجياً في سلم الأولويات الأمريكية.

وفي هذا السياق جاء صعود التيار الذي يمثله دونالد ترامب وجيه دي فانس، وهو تيار لا ينطلق من التعاطف مع خصوم الولايات المتحدة، وإنما من سؤال مختلف تماماً: لماذا تستمر واشنطن في تحمل كلفة صراعات لا تحقق لها مكاسب استراتيجية واضحة؟

من هنا يمكن فهم معظم تصريحات فانس.

حين يقول إن إسرائيل تخسر معركة الرأي العام داخل الولايات المتحدة، فهو لا يوجه انتقاداً أخلاقياً لإسرائيل، بل يصف واقعاً سياسياً جديداً. فالدعم الذي كان يحظى بإجماع الحزبين لم يعد كذلك، وأجيال المحافظين الشباب بدأت تنظر إلى السياسة الخارجية بمنظار “أمريكا أولاً”، لا بمنظار الالتزامات التقليدية.

وحين يحذر من تأثير الحكومات الأجنبية على القرار الأمريكي، فإنه يوجه رسالة مفادها أن التحالفات يجب ألا تتحول إلى حق في توجيه السياسة الأمريكية بما يخالف المصلحة التي تراها واشنطن لنفسها.

وحين يتحدث عن تعرضه لهجوم منظم بسبب محاولاته فتح باب التفاوض مع إيران، فإنه يكشف عن صراع داخلي بين مدرستين في السياسة الأمريكية: مدرسة ترى أن إدارة الصراعات بالدبلوماسية أقل كلفة من الحروب، وأخرى ما تزال تعتبر القوة العسكرية الخيار الأول.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن فانس لم يكتف بالدفاع عن التفاوض، بل ذهب إلى مهاجمة من يرفضونه، معتبراً أن البديل الوحيد الذي يقدمونه هو استمرار القصف والحروب بلا أفق سياسي.

هذا ليس خلافاً حول إيران فقط.

إنه خلاف حول طبيعة الدور الأمريكي في العالم.

وتأتي التقارير التي تحدثت عن حملات ضغط رقمية وعلاقات عامة هدفت إلى التأثير في الرأي العام الأمريكي لتضيف بعداً آخر للنقاش، وهو أن المعركة لم تعد تدور في الشرق الأوسط وحده، بل أصبحت تدور داخل المجتمع الأمريكي نفسه، حيث تتنافس رؤيتان: الأولى تريد استمرار النموذج التقليدي للتحالف الأمريكي الإسرائيلي، والثانية ترى أن هذا النموذج أصبح أكثر كلفة من فائدته.

ولا يعني ذلك أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي يقترب من الانهيار.

فالمؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية التي تربط الطرفين ما تزال عميقة، ومن غير المرجح أن تتغير بين ليلة وضحاها.

لكن ما يتغير هو البيئة السياسية التي يعمل فيها هذا التحالف.

فالولايات المتحدة لم تعد تملك الموارد نفسها التي امتلكتها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ولم يعد الرأي العام الأمريكي مستعداً لخوض حروب مفتوحة إلى ما لا نهاية، كما أن صعود الصين جعل الأولوية الاستراتيجية تنتقل تدريجياً من الشرق الأوسط إلى آسيا.

ولهذا تبدو تصريحات فانس مهمة.

فهي ليست إعلاناً عن نهاية التحالف مع إسرائيل، لكنها تعكس بداية مراجعة داخلية لمسلمات استمرت لعقود، وتؤكد أن المشروع الأمريكي في الشرق الأوسط لم يعد يتمتع بالإجماع الذي كان يحظى به سابقاً.

وربما يكون هذا هو أهم ما كشفته المقابلة: ليس أن واشنطن تغير حلفاءها، وإنما أنها بدأت تعيد تعريف مصالحها، وعندما تبدأ الإمبراطوريات بإعادة تعريف مصالحها، فإن الخرائط السياسية كلها تصبح قابلة لإعادة الرسم.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الكتاب الذي منعت أميركا نشره

كاتبه جون بيركنز لم يكن صحفيا، كان موظفا رسميا في شركة اسمها MAIN العملاقة. هذه الشركة واجهة لوكالة الامن القومي NSA. وظيفته في البطاقة: خبير اقتصادي كبير. وظيفته الحقيقية: قاتل...

من علي الطاهر إلى صناديق الاقتراع... الحرب التي تجمع ترامب ونتنياهو وتفرقهما.

تقترب صناديق الاقتراع، وتقترب معها المنطقة من مرحلة تبدو فيها السياسة والميدان وجهين لمعركة واحدة. فالانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول، تليها الانتخابات الأميركية في 3 تشرين...

كفررمان والجنوب... هل هؤلاء بنية تحتية؟

تسعة أسماء. بينهم أطفال ونساء. سقطوا في مجزرة بلدة كفررمان الجنوبية: محمد نعيم فرحات، حسن وحسين ومحمد وفاطمة فرحات، زهراء أيوب، والأطفال مريم وعبدالله وعباس فرحات. هل هؤلاء...

المعتدي والمعتدى عليه أوروبا بين شعارات القيم ومنطق المصالح

المنظومة الدولية التي وُلدت بخطيئة الازدواجية منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، تأسست المنظومة الدولية على أسس نظرية سامية الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون،...

هل كان سيد قطب مؤسس جماعة الإخوان المسلمين مفكر عظيم أم إرهابي كبير

أصدر ويلفر كرين ضابط المخابرات الأميركية كتابه ” حبال من رمال ” سنة 1948 بتاريخ حرب فلسطين ، فخاف الأميركيون من ارتماء العرب في أحضان الشيوعية ، وقرروا جذب الشيوخ...

من كركوك إلى طرابلس : هل يفوّت لبنان فرصة إعادة رسم خريطة الطاقة في المنطقة؟

في الشرق الأوسط اليوم، لم يعد النفط مجرد سلعة تُنقل من حقل إلى مصفاة. أصبح النفط مسألة جغرافيا وأمن قومي وسيادة على طرق التجارة. العراق، الذي يعتمد اقتصاده بصورة هائلة على النفط،...