انه يوم أعلنت للعالم كله انك تنحيت عن رئاسة الجمهورية العربية المتحدة، في الساعة السابعة من مساء يوم الجمعة في 9/6/1967
ولنروي ما حصل في ذلك اليوم ،منذ اللحظة التي توجهنا فيها إلى نادي الصيد في منطقة الدقي في الجيزة ، وكنا نحو خمسين طالباً لبنانياً ، تطوعنا يوم الاثنين ، والطائرات الحربية الصهيونية تغير على مطارات مصر منذ السابعة صباحاً
في ذلك الصباح التقينا في نادي الصيد المصري بعقيد في الجيش المصري ، لنبلغه طلبنا بالتطوع للقتال مع الجيش المصري ضد العدوان الذي بدأ صباحاً.
قلنا للعقيد المصري : نتطوع ونتدرب ونريد ان نذهب إلى الجبهة في سيناء ، ونرفض ان نوزع في المدن للدفاع عن الكباري او المباني السكنية… نريد التوجه إلى الجبهة ( من العيب بل من العار ..ان نذكر اننا كنا موزعين بين سنة وشيعة فكلنا ناصريون والناصرية تعني العروبة والانسانية والحضارة والرقي )
بدأنا التدريب والعدوان الصهيوني مستمر ويتصاعد ..وفي يوم الجمعة في 9/6/1967 توجهنا كالعادة إلى النادي لمتابعة التدريب ، فإذا العقيد ينادينا لنجلس على العشب ويقول لنا بصوت غاضب ؛
مافيش تدريب .. ولو كنت مكانكم لرحت السفارة السوفياتية وطربقتها على دماغتهم ولاد الكلب !!
كنا نجهل عما يتحدث العقيد .. ولم نلتفت إلا الى دعوته لنا ان نستمع إلى خطاب الريس ( جمال ) الساعة السابعة مساء ذلك اليوم!!
وفي الساعة السابعة هذه ، كانت مدفعية الجيش المصري تدوي في سماء القاهرة . .. ولم تكن هناك اية غارة صهيونية ، بل هو اجراء من الاستخبارات المصرية التي كانت تحت توجيه صلاح نصر ،ووزير الدفاع شمس بدران لمنع المصريين من النزول إلى الشارع ، لرفض ما أعلنه جمال عن استقالته من الرئاسة، وعودته إلى صفوف الجماهير ..
في منطقة الدقي حيث كنا نقطن كطلبة ندرس لإجراء امتحانات الثانوية العامة، وقفت أنا وزميلي خليل صفا مشدوهين ، ونحن نراقب زحف الناس من كل النواحي ، وهتاف واحد يوحدها وهو رفض تنحي جمال عن السلطة … مرت بنا سيدة تحمل طفلها على خاصرتها وهي تهتف .. عبرتنا بخطوات ثم عادت إلينا أنا وخليل ، لتصفعنا بكلماتها : انتو ايه ؟ ما عندكوش دم ؟ مافيش احساس ؟ عايزين الريس يمشي ؟ عايزينو يستقيل ؟ يللا معانا
سرت وخليل من دون وعي او ترتيب مندوهين، لنصل إلى مكوجي بنقل صوت جمال في تكرار لخطاب الرئيس يعلن في استقالته
سرت مع الناس الغاضبة ، اهتف بما يردّدونه ، لا لا ياجمال .. لن تتنحى لن تتنحى ، وعلى هذه الهتافات وصلنا إلى مجلس الشعب المصري في منطقة القصر العيني بعد ان عبرنا شارع التحرير ، وكوبري قصر النيل ، وصرنا بالآلاف داخل أسوار مقر مجلس الشعب.
داخل الأسوار وخلال الهتافات وانا ارفع يدي اليمني ، شعرت بالحاجة لأن انزل يدي بسبب التعب ..وهنا كان العجز عن ان انزل يدي ، فما كان هناك من فسحة تسمح لي ان اخفضها .. فصرت ادفع بجسدي يميناً ويساراً لأتحرك وأحرر يدي ،ثم وجدت نفسي مع كثيرين خارج الأسوار ، واسمع من يهتف : يللا على بيت الريس ..يللا على منشية البكري ..ولكن كيف الوصول وهناك آلاف مؤلفة تجعل السير يشابه زحف السلحفاة ..لكننا زحفنا حتى بات الاستمرار مستحيلا.. فعدت إلى شقتنا في الدقي وبالصعوبة نفسها ، وما وصلنا بزحف السلحفاة إلا في الساعة الثالثة صباحاً
نمت بثيابي ، ولم اخلع حذائي ، وما صحوت إلا على اصوات الجماهير ترد : لا لا ياجمال .. ومن الهتافات التي ترددت وحفظت بعضها ؛ انور أنور يا سادات … احنا اخترنا جمال بالذات
“ارفض ارفض يا زكريا
عبد الناصر مية المية”
وكان جمال وهو يعلن تنحيه عن السلطة .. عين نائب رئيس الجمهورية زكريا محي الدين مكانه .
انطلقنا من الدقي ، ووصلنا إلى ما بعد كوبري قصر النيل، عند فندق سميراميس ، وهناك سمعنا من يهتف ان أنور السادات ( وكان رئيساً لمجلس الشعب سيلقي بياناً مهماً
عدت إلى المنزل في الدقي لأجد أن زملائي في الشقة وهم : (المرحومين قاسم زيدان وخضر بردى ومحمد عثمان المعبي ،،والصديق خليل صفا )ملتفون حول المذياع الصغير ليستمعوا إلى خطاب السادات يعلن فيه استجابة جمال عبد الناصر لنداء الجماهير المصرية والعربية بالبقاء في منصبه حتى تحرير الارض العربي .
رحنا نهتف ونرقص ونحضن بعضنا ونقفز عن الارض في حفلة فرح كانت تتجاوب مع ما كان يجري في الشقق المجاورة وفي الشارع وفي نفير السيارات، والهتافات في الشرفات ..
كان مهرجان فرح ممتد ، حين نزلت إلى الشارع، لأقابل الأحضان بالأحضان والقبلات والتبريكات والهتافات : ناصر، ناصر ، ناصر …حتى آخر العمر


