الأربعاء، 29 يوليو 2026
بيروت
31°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

مفارقة السيادة بين سؤال أميركي وجواب لبناني

 

في مشهدٍ يكاد يُختصر به معنى السيادة المُلتبسة -عند البعض- في لبنان، تسأل الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس وزيرَ الخارجية اللبناني عمّا إذا كان مستعدّاً لتلبية دعوة لزيارة طهران. سؤالٌ يبدو للوهلة الأولى دبلوماسياً، لكنه يحمل في نبرته ظلال الوصيّ الذي يتعامل مع القرار اللبناني كأنه تابع لجدول مصالحه.

المفارقة ليست في السؤال فقط، بل في الجواب أيضاً.

فوزير الخارجية يوسف رَجّي أعلن أنه منفتح على جميع الدول باستثناء تلك التي تتدخل في شؤون لبنان. وعليه، فهو يرفض زيارة إيران لأنها – بحسب تعبيره – تتدخل في الداخل اللبناني. إلى هنا، يمكن القبول بالمنطق لو كان المعيار واحداً، والقياس ثابتاً، والموقف مبدئياً.

لكن السؤال البديهي الذي يقفز إلى الواجهة هو ماذا لو عرضت عليه الولايات المتحدة زيارة واشنطن؟
هل كان سيعتذر بالطريقة نفسها لأن واشنطن تتدخل أيضاً —بل أكثر وبشكل معلن— في تفاصيل السياسة والاقتصاد والقضاء والأمن في لبنان؟ أم أن معيار “التدخّل” يصبح نسبياً وفق الجهة التي تسأل، لا وفق المبدأ الذي يُعلَن؟

إنّ ما جرى يفضح التباين الحقيقي بين الخطاب والممارسة.
فالوزير يرفض زيارة طهران بذريعة التدخّل، بينما يجيب على سؤال أميركي عن زيارة طهران نفسها! وهذا بذاته مفارقة تكفي لتظهير حجم الارتهان الذي بات يُدار تحت عناوين السيادة.

السيادة ليست أن تقول “لا” لطرفٍ واحد وتقول “نعم” لآخر؛ وليست أن ترفع شعار عدم التدخّل بينما تجيب على أسئلة تتدخّل بحد ذاتها في قرارك.
السيادة أن تقيس الجميع بمسطرة واحدة، وأن ترفض التدخّل سواء جاء من الشرق أو من الغرب.

وحين تصبح واشنطن هي التي تسأل: “هل ستزور إيران؟” ويصبح الوزير اللبناني هو الذي يسارع إلى شرح تفاصيل قراره… فهذا يعني أن المشكلة لم تعد في السؤال الإيراني ولا في الدعوة الإيرانية، بل في طريقة فهمنا نحن لدورنا وموقعنا وحقّنا في إدارة شؤوننا دون وصاية.

والمفارقة الكبرى أنّ لبنان، الذي يُفترض أنه دولة مستقلّة، بات يبرّر خياراته الخارجية لغيره قبل أن يشرحها لنفسه.
وإذا كان معيار الوزير هو رفض زيارة الدول المتدخّلة، فهل يملك الشجاعة لاعتماد المبدأ ذاته في حال طُرح عليه اسمُ الدولة الأكثر حضوراً في مطبخ القرار اللبناني؟

في مثل هذه اللحظات، لا نحتاج إلى خطابات بقدر ما نحتاج إلى موقفٍ صريح يضع الجميع –شرقاً وغرباً– في خانة واحدة .

أما غير ذلك، فسيبقى مجرّد تبادل أنيق للأدوار بين وصيٍّ يسأل… وتابع يُجيب.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

لقاء الثلاثاء… هل يناقش الشرق الأوسط أم مستقبل الرجلين؟

على الرغم من أن جدول أعمال اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو يتضمن رسمياً ملفات إيران وغزة وسورية ولبنان ، إلا...

نظرة في ملف "محمود أحمدي نجاد"

أثارت تقارير صحفية، واستخباراتية إسرائيلية الكثير من اللغط حول الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، وعن تجنيده لصالح الموساد الإسرائيلي أو محاولة تجنيده على اختلاف الروايات....

بداية الإصلاح... رؤية السقطات

في كل أزمة يمر بها وطن، وفي كل نكبة تصيب شعباً، يبرز سؤال واحد: من أين نبدأ الإصلاح؟ والجواب بسيط وعميق في آنٍ معاً: بدايةُ الإصلاحِ رؤيةُ السقطاتِ والأخطاءِ والثغراتِ، ثم...

لماذا لا تضرب إيران "إسرائيل"؟

أيا ما كان مصير مساعى الوسطاء فى باكستان وفى قطر ، فإن العودة للتفاوص الأمريكى الإيرانى ، لن تؤدى غالبا إلى وقف الحرب الجديدة الجارية على جبهة إيران ، ولا إلى تقليص ما جرى ويجرى...

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...