الأحد، 13 سبتمبر 2026
بيروت
27°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

ملاحظات على بحث "بناء الدولة في سورية

يوم الخميس الثالث من أيلول / سبتمبر شهدت المكتبة الوطنية بدمشق ندوة حوارية بعنوان: “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026 ـ 2030)”، قدمها الأستاذ محمد سرميني ـ مؤسس ومدير مركز جسور للدراسات ـ عرضا لدراسة أعدها لهذا الغرض.
الندوة شهدت حضورا مكثفا لمهتمين من مستويات متعددة، وقد تابعتُ التغطية العامة لهذه الندوة، ثم اطلعت على نص الدراسة التي قدم المعدُ عرضا لها في هذه الندوة.
الدراسة تقع في أكثر من سبعين صفحة، التزم الباحث في عرضها منهجا علميا معتمدا في الأبحاث الجادة، واستند إلى مصادر بحثية متعددة، وفي طريقه لرسم استراتيجية التعافي في سورية أشار بكلمات إلى تجارب شعوب ودول مرت بمرحلة صراعات ثم خرجت منها، وهذه تجارب يمكن الاستئناس بها.
ولا شك فإن الدراسة غنية في الجهد، وممتعة في العرض، ومهمة في النتائج. وأرجح أن هناك جهدا متعدد المصادر ساهم في صوغها.
ولأن لها عندي هذا التقدير، فإن التدقيق فيما عرضت وخلصت إليه يصبح من الحقوق التي يجب أن تؤدى لها.
1ـ في مبدأ العمل البحثي فإن لكل باحث الحق في اتباع المنهج الذي يراه مؤديا للغرض، ومن حقه أن يتناول مدخله إلى البحث من الزاوية أو الزوايا التي يرى أنها الأكثر فائدة وإصابة للهدف.
وإذا كنا متفقين على أن الهدف تقديم مسارٍ لتعافي سورية في فترة تكتمل في العام 2030، وقد قسمها الباحث إلى ثلاث مراحل، ومتفقين أيضا على أن سورية التي نتطلع يجب أن تكون مبرأة مما وسم النظام البائد، ومما أدى إلى تلك المرحلة المدمرة من حياة سورية: المجتمع والجغرافيا والمكانة والثروة، فإني أعتقد أن المقدمة الرئيسية للبحث كله كان يجب أن تتمثل بالوقوف على السمات الرئيسية التي وسمت النظام البائد، حتى يكون تجبنها في النظام المبتغى هو “الإنجاز”، وأن يكون تعريف سورية، وتحديد “هويتها المجتمعية” الحضارية والجيوسياسية هو الإطار الذي نسعى إلى استعادته، وأن تكون إقامة البنى السياسية والاجتماعية والقانونية القادرة على الوصول بسورية إلى التعافي، وإلى الاستقرار، هو السبيل للوصول الى هذا الهدف.
لا شك أن سورية ليست البلد الوحيد في العالم الذي مر بتجارب قاسية وبتجارب صراعات داخلية مدمرة، ثم استطاعت الخروج من مأزقها، أمامنا تجارب عديدة منها جنوب إفريقيا ومرحلة الفصل العنصري، ورواندا والحرب الأهلية، وتشيلي مع نظام بينوشيه وشبيحته وعصاباته.
ولكل من هذه التجارب خصوصيتها، وفي مقدور هذه التجارب وأمثالها أن تقدم شيئا مفيدا للوضع في سورية، إن لجانب استعادة الدولة، أو العدالة الانتقالية، أو تعافي الاقتصاد والمجتمع. لكن الاستفادة من هذه التجارب يكون بعد التمكن من رؤية الوضع الذي نلتزمه، وبعد توصيفه التوصيف الصحيح، فمعرفة العلة والمرض هي المدخل الوحيد الصحيح للانتقال إلى العلاج.
الفكرة المضافة
أن يبدأ البحث بتحديد “المشكلة السورية”، وهذه لا تتحدد إلا إذا أحسًنا توصيف النظام البائد، وأجبنا على سؤال: لماذا ثار السوريون ضده؟ وهذا الحديث والتوصيف ليس من أجل ما مضى، وإنما من أجل ما هو آت، وهذا هو الأهم، وقد خلت الدراسة من هذا المدخل.

2ـ أنا من الذين يصفون النظام البائد بأنه كان” نظاما طائفيا، فاسدا، مستبدا، وإرعابيا”، ويجب أن نسجل هنا أن ثورة السوريين في العام 2011، وقبل هذا العام، لم تأت على خلفية حكم شعبي على النظام، أو رأسه بالكفر، أو نتاج حكم على النظام ورأسه بأنه لم يكن سنيا.
لم ترفع أي قوة من قوى الثورة في مراحلها الأولى أي شعار أو عنوان ينحو هذا المنحى، بل كان الشعار الجامع للحراك الثوري الذي تفجرت من خلاله الثورة أن الشعب السوري واحد، وأنه ثار للكرامة، والأمن، وضد الفساد، وضد الطائفية.
يجب أن نثبت هذا الرؤية وهذا التوصيف ـ إن آمنا بأنه محل اتفاق بيننا، وهو عندي كذلك ـ، وأيضا يجب أن نثبت بشكل جلي معاني هذه الصفات التي أطلقناها على النظام البائد. وعليه يكون المستهدف لمسيرة التعافي التي نتطلع إليها بناء نظام تنتفي عنه الصفات الأربع السابقة، فلا يتولد عندنا مجددا نظام فيه صفة أو أكثر من صفات النظام البائد، فلا يكون نظاما “طائفيا، مستبدا، فاسدا، وإرعابيا”.
وهنا مهم أن نتفق على معنى كل صفة من هذه الصفات:
** ف”طائفية النظام” لا تعني أنه كان ممثلا للعلويين كطائفة، أو لغيرها، وإنما تعني أنه كان “يمنح ويمنع” انطلاقا من رؤية طائفية يتبناها، رؤية تجعل من هذا المنح والعطاء ميزة يستجر الطائفة من خلالها، يقابل هذه الصفة وينقضها أن يكون “المنح والمنع” يستند إلى الكفاءة، والعطاء، والقدرة. أي أن المقابل للمسلك الطائفي ألا تكون طائفة المسؤول” سنيته أو علويته، أو درزيته، أومسيحيته” من لوازم المنح والمنع، إذا وقع هذا فنحن أمام نظام طائفي. وإذا انتفى هذا فنحن أمام نظام وطني، وهذه واحدة من تجليات مفهوم المواطنة.
الطائفية التي نذمها هنا ليست “الانتماء” إلى أقلية أو أكثرية، فالانتماء إلى أقلية، أو أكثرية دينية، أو مذهبية، أو عرقية، جزء موضوعي من تركيبة المجتمع، وإنما الطائفية التي نتحدث عنها وندينها هي التي تسمح في الحصول على، أو المنع من، مكاسب ومكانة ودور استنادا إلى هذا الانتماء، إن الأخذ بهذا الاعتبار تفكيك للهوية الوطنية وتحويلها من “منتج تاريخي حضاري” تجتمع إليه الأمة، وتبني على قواعده الاستقرار والأمن والاستدامة، وتجسد من خلاله إدراكها لعمقها الحضاري تأثيرها ومكانتها في محيطها الإقليمي، إلى تجمع لأطراف عرقية ودينية ومذهبية، وُجِدت على أرض مشتركة، يبحث كل منها عن دور، ومكانة، وحصة، ومكسب، ويتطلع كل منها إلى مشروعه الخاص، وقد ظهرت تجليات هذه الحالة في سورية من خلال مشروع قسد، والانفصالية الهجرية، والدعوات الانفصالية الأخرى.
ومن هنا يجب توكيد أن ثورة الشعب السوري لم تكن ثورة السنة ضد العلوية أو غيرها من الأقليات، وإنما ثورة الشعب السوري ضد نظام طائفي، وقد شارك في هذه الثورة وساهم في النضال ضد النظام الأسدي والبعثي منذ بداية وجوده، وفي كل مراحل تطوره مناضلون ومجاهدون من كل أطياف الشعب السوري، وقتل وغيب وسجن من كل مكونات هذا الشعب، ومن الطبيعي أن تكون أكثرية الإصابات والضحايا من أهل السنة طائفيا، ومن العرب عرقيا، لأنهم بهذا الاعتبار أو ذاك هم الأكثرية العظمى من الشعب السوري.
إن السنة والعرب في سورية، وفي العالم العربي، هم الأمة، ليس لأنهم الأكثرية وهم الأكثرية حقا، وإنما لأنهم الحاضن لكل أطياف الأمة “عرقيا ودينيا ومذهبيا”، هم الذين صانوا وحفظوا التعددية الحضارية في تاريخ عموم بلاد الشام منذ الفتح الإسلامي. وهم الذين أعطوا الهوية السورية بعدها الثالث المميز بعد الإسلام والعروبة وهو “التعددية الحضارية”.
إن الذين ينظرون إلى الحكم القائم في سورية الآن بأنه حكم السنة، يريدون أن ينزلوا ب “السنة” من كونها حاضنة الأمة وتعبيرا عنها، إلى كونها مجرد طائفة، زاد عددها أو نقص، وهذا خطر لا يستقيم معه بناء مجتمع آمن مستقر وقادر ومستديم.
** وفساد النظام البائد لا يعني وجود ظاهرة الفساد في النظام، فكل نظام من دون استثناء، في كل مكان، وفي كل عصر، لا يخلو من ظاهرة الفساد، وليس هذا المراد من وصفنا النظام الأسدي البائد بالفساد، وإنما المقصود أن الفساد كان “آلية معتمدة في إدارة النظام”، وفي بناء نطاقات التأثير والاجتماع، وفي إعادة توزيع الثروة وفرص التنمية في المجتمع، وبالتالي تغيير التركيبة الاجتماعية للمجتمع السوري، وبهذه الصفة كان نظاما طاردا لغير الفاسدين، لا يستطيع تقبلهم، ولا الاعتماد عليهم.
وحتى يستطيع النظام الفاسد المضي في هذا الطريق كان لابد له من تعطيل آليات مكافحة الفساد: من القضاء المستقل، والشفافية في التعامل من الثروة والمشروعات، والحق في الحصول على المعلومات، وحرية الصحافة … الخ، وفي مثل هذه النظم لا تغيب السلطات الحديث عن الفساد، لكن يصبح هذا الحديث ـ وهو حديث نراه يتكرر بين الحين والآخرـ بمثابة أسلحة يشهرها النظام الفاسد في وجه المؤيدين والمعارضين لضبط أدائهم وإحكام السيطرة عليهم.
هنا تصبح الديموقراطية، والشفافية، والحق في الحصول على المعلومات، والقضاء المستقل قنوات ضرورية بالحتم لمكافحة الفساد، وكل نظام يعطل وجود هذه القنوات فإنه يكون نظاما يتجهز للمضي في مسار “النظام الفاسد”.
وحين نضع هذه القنوات كمطالب ومسارات لا بد من تحقيقها للانتقال بسورية إلى مرحلة الاستقرار والاستدامة ـ كما جاء في البحث ـ، فإن القضية هنا لا تكون مطلبا سياسيا، بقدر ما يكون مطلبا للاستقرار والنمو والتقدم.
** واستبداد النظام كصفة يجب أن يقرأ على حقيقته، وليس كمظاهر وأشكال، فالنظام الأسدي البائد كان يجري الانتخابات، والاستفتاءات، وكان يسمح بالعمل الحزبي، والتعددية السياسية في إطارات وبشروط يضعها. لكن هذه المظاهر كانت تستخدم لتغطية الوجه القبيح للنظام.
استبداد النظام كان استبداد “سياسيا واقتصاديا وثقافيا وأمنيا”، وكان متحررا من أي شكل من أشكال الخضوع للقانون أو للدستور، بل إن الدستور والقانون كان في خدمة ذلك الاستبداد، مثله في ذلك مثل الانتخابات والاستفتاءات.
وحين تلمح أي شيء إيجابي في قرارات وتصرفات النظام يقدم إعلاميا باعتباره “أعطية من الرئيس”، منةٌ ومنحةٌ منه، سواء تمثل هذا بزيادة راتب، أو عفو عام، أو إنجاز مشروع، أو رفع مظلمة، وليس جزءا من حقوق الناس.
وفي ظل الاستبداد يصبح الرئيس هو المرجع والمعيار للحق، والعدل، والحرية، والقيم، وللدين أيضا.
يجب ألا يتكرر هذا الوضع أبدا، إذا أردنا أن تخرج سورية إلى فضاء الاستقرار والاستمرار والأمن والتقدم، يجب أن ترتبط كل هذه المسائل بالإرادة الشعبية الحرة والطليقة، وهنا تصبح أدوات الديموقراطية تصنع حالة مضادة تحاصر الاستبداد وتتصدى له، وليست طريقا للاستبداد كما كان الأمر زمن النظام البائد.
** أما إرعاب النظام فمنبعه الأول والأساسي أن يصبح النظام نفسه هو “القيمة العليا في المجتمع”، وبالتالي يصبح رأس النظام وعائلته، أو القوة المسيطرة فيه، هي القيمة العليا، هنا لا يعود هناك شيء اسمه حقوق الإنسان، ولا شيء اسمه حدود استخدام القوة، ولا شيء اسمه قيمة إنسانية، وهنا تنحصر قيمة الإنسان بمكانته في النظام نفسه، كينونته، وجوده، مستقبله، ثروته، وروابطه العائلية، كلها تصاغ حول النظام ومن خلاله، فيصبح مفهوما أن يكون الابن جاسوسا لصالح النظام على أبيه، والأخ على أخيه، والجار على جاره، ويصبح اعتقال الناس، وتعذيبهم، وقتلهم، أو إخفاءهم كله محمي ومبرر، ليس لحماية النظام فحسب، وإنما كذلك لجعل الجميع مجرد آلة في مكنة النظام.
هذا الإرهاب الذي وسم النظام الأسدي تدريجيا، وظهر في أوضح تجلياته، في مذابح الثمانينات، ومن ثم في المذابح التي أعقبت انطلاق الثورة السورية عام 2011، يجب ألا يتكرر تحت أي ظرف، لكن منع تكراره ليس شعارا نرفعه، أو راية نلوح بها، وإنما تحقيق هذا الهدف المركزي يحتاج إلى سلوك جماعي يحصنه وعي شعبي، وبنية قانونية ودستورية واضحة، وبناء لأجهزة الدولة: أجهزة القوة والعنف والسيطرة، وأجهزة القضاء والرقابة والتشريع، وأجهزة الحياة المدنية ومنظماتها، بناء قائم على أن الجميع بدءا من رئيس الجمهورية يخضع للقانون والدستور، وللرقابة والمتابعة والمساءلة، وحتى يتحقق هذا يجب أن تكون شغل المواقع الرئاسية المؤسسة في الدولة محدد بزمن لا يتجاوزه، وأن يطبق عليها مفهوم الوظيفة العامة.
هنا يصبح وجود أجهزة الدولة هذه ـ وقد جاءت الدراسة عليها ـ وقيامها بدورها هي المانع لولادة نظام دولة إرعابي، وبالتالي يصبح القصور في وجود هذه الأجهزة، وقيامها بدورها مؤشر على استيلاد نظام الإرعاب.
هذه خصوصية الحالة السورية التي تولد عنها أكثر من مليون قتيل ومئات الألاف من المفقودين، وتهجيرا ونزوحا طال أكثر من نصف السكان، وتدميرا لمظاهر الحياة والحضارة والحواضر، طال المشهد السوري العام، وتفكيكا وتخريبا للوحدة الوطنية للمجتمع السوري.
إذا أردنا أن نتحرك بسورية خارج المرحلة الأسدية، واتفقنا على صحة وأهمية ذلك التوصيف للنظام الأسدي، يصبح من الواجب أن ينصب الجهد على إقامة سلطة ودولة مبرأة من تلك الصفات التي وسمت النظام البائد.
الفكرة المضافة
وجوب أن تتضمن الدراسة توصيفا للنظام البائد يحدد طبيعته، وهي الطبيعة التي ولدت ثورة الشعب السوري لمواجهتها، وهي عندنا “الطائفية والاستبداد والفساد والإرعاب”، وحتى يكون هذا التحديد واضحا أمام السلطة الجديدة لتجنب الانزلاق إليها. وكذلك ضرورة أن تحدد الدراسة بشكل جلي لا لبس فيه “هوية المجتمع السوري”.

3ـ هنا ندخل إلى الوجه الآخر من الملف السوري وهو “السلطة الانتقالية” التي بدأت ب “الإنجاز الجوهري” الذي تحقق بإسقاط النظام الأسدي، وبتفكك هذا النظام على نحو قد يكون غير مسبوق في أي تجربة أخرى نعرفها في العالم.
إن أحدا لم يكن يتصور هذه النهاية بهذا الشكل لنظام استمر ستة عقود، واستطاع أن يستمر مدعوما بقوى إقليمية وعالمية متناقضة الأهداف والمصالح، قد لا تكون اجتمعت من قبل ولفترة ممتدة على حماية نظام كهذا، على الرغم مما ارتكبه هذا النظام في سورية من مجازر وتخريب وآثام.
صحيح أن هذه النهاية ما كانت ممكنة في هذا الوقت لولا أن مجموعة الدول التي حمت النظام الأسدي، ومنعت سقوطه المرة تلو الأخرى على مدى ثلاثة عشر عاما، قد رفعت يدها عنه بعدما تبين لجميعهم أن الرهان عليه بات رهانا “خاسرا وبئيسا وغبيا”.
وصحيح أن هناك تواصلا كان بين هيئة تحرير الشام وجهات دولية وإقليمية متعددة، بدأت تدريجيا تغسل يدها من صلاحية النظام البائد على الاستمرار، وأن الهيئة ومن خلال هذا التواصل كانت تعد نفسها لهذا اليوم. وأن الهيئة ومجموعة القوى المسلحة المعارضة للنظام الأسدي كانت دائما تتلقى عونا من أطراف من النظام الإقليمي والدولي، وليس هذا الوضع بالمستغرب، ولم يكن مقصورا على فصائل المعارضة المسلحة، لكنه كان تدخلا خارجيا محكوما بالمصالح، طال كل أطراف الصراع من المعارضة والنظام على السواء.
لكن الصحيح أيضا أن “هيئة تحرير الشام” عرفت كيف تقتنص الفرصة، وتطور المعركة حتى وصلت بها إلى السيطرة على العاصمة بسرعةٍ وحسمٍ ما كان متصورا أن يتم على هذا النحو لولا جسارة، ورؤية قيادة الهيئة، وإحكام استعدادها، حتى بدا الأمر حين تم وكأنه معجزة.
لقد انهار النظام، وهرب رأسه، وتفككت وتفرقت قواه، وأُخليت الدولة بما فيها الجيش والأمن وأجهزة المخابرات والشرطة والحكومة بمختلف أجهزتها من رجالاته، وباتت الهيئة التي كانت تدير “حكومة المحرر في إدلب” مطلوب منها أن تدير سورية.
وأصبحت الهيئة منذ الثامن من كانون أول 2024 هي المسؤولة عن الانتقال بسورية إلى المستقبل، وعن الخروج من المرحلة الأسدية إلى عصر جديد، وقد ظهر سريعا أن هناك بيئة إقليمية ودولية متفهمة لهذا التغيير وراعية له.
لقد تحول ” أبو محمد الجولاني” زعيم هيئة تحرير الشام، إلى “الرئيس أحمد الشرع”، رئيس الجمهورية العربية السورية، وانتقل من “مجاهد” كان يقارع الاحتلال الأمريكي في العراق، ويقاتل النظام الأسدي، ويتصارع ويتنافس مع الفصائل المسلحة المماثلة في مناطق عدة من سورية، إلى “رئيس دولة” منضبط بكل ما يفرضه هذا المنصب من مكانة ووقار وإحاطة. وقد تحقق له ذلك من خلال شرعية ” الإنجاز” الذي تحقق، بالمعنى الفقهي والتاريخي والواقعي، أي من خلال شرعية ” الغلبة” والحسم الذي قام به. لكن هذه الغلبة لم تأت من موقع التفرد بمسار الثورة ومراحلها، لكنها استندت إلى مسار جهادي ونضال للشعب السوري طويل جدا، هو أقدم من مسيرة الجولاني كلها، وأقدم من مرحلة الرئيس الهارب بشار الأسد، وعلى طول هذا المسار وجدت أحزاب وقوى وتحالفات دفعت الكثير في مواجهة النظام البائد، وصنعت الكثير من تفاصيل مشهد المواجهة الدامية مع النظام الأسدي في السنوات الثلاثة عشر الأخيرة، من هذه الأحزاب والقوى من بقي داخل سورية يواجه ويتحدى على الرغم من عنف النظام وإجرامه” هيئة التنسيق الوطنية”، ومنها من تشكل خارج ساحة الصراع المباشر “الائتلاف الوطني”، وكانت هناك جهود وتحالفات ورؤى ومؤتمرات وتوافقات قامت بها هذه القوى في محاولة للوصول إلى هدف إخراج سورية من مأساتها والتخلص من النظام القائم بأقل الخسائر الممكنة، وهذه كلها كانت حاضرة حينما حسمت هيئة تحرير الشام المعركة، واقتنصت الفرصة المواتية، ولقد أدركت جميعها المعنى الحقيقي لهذا الانتصار على النظام الأسدي، ووقفت إلى جانب هذا الإنجاز. ولقد أدرك “أبو محمد الجولاني” في أول خطاب له، بعد دخوله دمشق هذه الحقيقة، لذلك حرص على توكيد أن صناعة هذا النصر كان حصيلة نضال كل الشعب السوري بكل قواه، وتشكيلاته.
هذه الشرعية التي اكتسبها من هذا الطريق، ليست شرعية مؤقتة، تستند إلى “ترتيبات الضرورة الانتقالية”، كما ذكرت الدراسة / ص 30، وبالتأكيد ليست شرعية دائمة، هي شرعية محكومة بالالتزام الذي أعلنه يوم النصر، وبالقانون الذي التزمه، وبحق “الإنجاز” الذي تحقق على يديه، لذا لا يصح الإشارة إلى الرئيس الشرع باعتباره “الرئيس المؤقت”، كما لا يجوز الإشارة إلى مسماه السابق ” أبو محمد الجولاني” كمسمى يستهدف التقليل من شأنه، لقد اكتسب المسمى الأول وهو يجاهد ضد الاحتلال الأمريكي أولا، ثم ضد النظام الأسدي بعد ذلك، والجهاد ضد المحتل الأمريكي شرف نعتز به ـ نحن الوحدويين الناصريين وأفترض أن الكثيرين مثلنا يعتزون به ـ، لكنه مسمى مقتصر على الجماعة، الهيئة، الفصيل، لكن الآن تحول إلى رئيس دولة، فأصبحت صفته “رئيس الجمهورية العربية السورية”، وهذا الصفة حين نعتمدها ليست تعبيرا عن موقف تأييد أو معارضة، وإنما تعبير عن “موقع السيادة” وصفة لها في بنية السلطة السورية.
لكل الاعتبارات المشار إليها، وبكل المقاييس، بات الرئيس مصدر الشرعية، لكل ما يتم إنجازه في سورية، وهو مركز القرار.
من إرادته أخذ الإعلان الدستوري شرعيته، وإليه يعود أي تعديل أو تغيير في هذا النص الدستوري، ومنه يستمد الوزراء سلطتهم، ومنه أيضا يستمد “مجلس الشعب” شرعيته، ومنه تستمد الاتفاقات على اختلاف طبيعتها شرعيتها الوطنية.

الفكرة المضافة
كل الممارسة التي وسمت عمل الرئيس الشرع منذ ” الإنجاز/ التحرير” وحتى اليوم، تؤكد المعنى المشار إليه، وتؤكد أننا أمام رئيس كامل الصلاحية والشرعية، بل هو الموقع الشرعي الوحيد في بنية الدولة السورية الجديدة حتى الآن، وبالتالي فإننا حين نتوجه إليه نتوجه بحكم مسؤوليته، وبحكم ما ارتضاه لنفسه، وبالتالي فإن الشرعية والمكانة والمحاسبة تقوم وفق هذه المسؤولية.

4ـ وفيما يتعلق بمجلس الشعب، وهو مربط الفرس في الدراسة المقدمة، يكفي النظر إلى طبيعته وبنيته وطريقة ولادته لندرك حقيقة “المسمى، والمهمة، والقدرة” التي تحيط بهذا المجلس.
لقد اختصر الوعاء الانتخابي السوري الذي قد يصل إلى 18 مليون ناخب في نحو ستة آلاف ناخب في كل سورية، وقامت السلطة بتحديد شخوص هذا الوعاء، ثم قامت عبر لجنة عينتها بتحديد المرشحين المقبولين لخوض الانتخابات، وبسبب هذه الطبيعة ل “مجلس الشعب” فإن أكثر أعضائه نيلا للأصوات لم تتجاوز عدد الأصوات التي حصل عليها، وبالتالي دخل على أساسها المجلس، 200 صوت.
وحينما جاءت الدراسة لتشير إلى فجوات في نتائج العملية الانتخابية فإنها لم تلحظ غير ما أطلقت عليه صفة “ضعف حضور النساء… وتمثيل محدود لبعض المكونات” / ص29، قيمة هذه الملاحظة تسقط حين نوصٍف بدقة هذا المجلس. فماذا كان يعني لو زاد عدد النساء عن الرقم الذي يمثلهن الآن وهو 22 امرأة، أوضم المجلس عددا أكبر من الأعضاء المنتمين إلى بعض المكونات.
وتتبنى الدراسة / ص30، تبرير هذه الولادة غير الصحية للمجلس، بأنها جاءت “استجابة لضرورات استثنائية يتعذر فيها إجراء اقتراع موسع موثوق”، وهذا تبرير لا تقبله دراسة موضوعية، حتى لو تم اعتماده بحكم أنه صارت أمرا واقعا.
أنا هنا لا أناقش طبيعة هذا الوعاء الانتخابي، ولا الحجة التي سُوق من خلالها، والقائمة على وجود ملايين السوريين بين مهاجرين ونازحين ولاجئين، ولا أطرح السؤال الطبيعي في هذا المكان، لماذا لم يكن الوعاء الانتخابي مثلا ستين ألفا، أو ستمائة ألف، أو ستة ملايين، وكل هذا كان ممكنا، لا أناقش ذلك، لأن طبيعة الدراسة لا تتطلب، ولا تحتمل، مثل هذا النقاش، لكن هذه الإشارات تبين عدم موضوعية اعتماد وقبول هذا التبرير.
وإذ نقصر نظرتنا هنا على “مجلس الشعب”، فلأن الدراسة أسندت إلى هذا المجلس كل المهمات الضرورية لبناء سورية المستقبل، من دستور، وقانون أحزاب، وعقد اجتماعي جديد، ومؤسسات رقابية،…. الخ / ص30.
وحين ذهبت الدراسة إلى توصياتها للسلطة التشريعية ومجلس الشعب جعلت هذه المهام شاملة كل ما يخص مستقبل سورية:
“إنجاز قانون الأحزاب.. قانون الانتخابات العامة الدائم… قانون الإدارة المحلية… قانون العدالة المحلية… قانون الوصول الى المعلومات… مراجعة التشريعات الموروثة..” / ص69.
ثم إن الدراسة اعتمدت تسمية “مجلس الشعب الانتقالي”، والحق أنه بهذه المهمات يجب أن يسمى ” مجلس الشعب التأسيسي” لأنه بإنجازه هذه المهام ـ إن أنجزها ـ يكون قد رسم معالم سورية الجديدة، وأقام أسسها.
هل يمكن وصف المجلس الراهن بالمؤقت، أو الانتقالي؟ نعم، لكن حتى يستحق هذا الوصف يجب أن تكون مهماته محصورة بمفهوم المرحلة الانتقالية، وفي الحد الأدنى يجب أن تكون قراراته وقوانينه التي يصدرها، والاتفاقات الدولية والاستثمارية الكبرى التي يصادق عليها كلها لها صفة “المؤقتة / المرحلية”، مما يسمح بعرضها مجددا على مجلس الشعب المنتخب شعبيا في المرحلة المقبلة، لإعادة النظر فيها إقرارا أو تعديلا أو إلغاء.
الفكرة المضافة
مجلس الشعب الراهن موصوف بالمؤقت، وبنيته وتركيبته لا تسمح بأكثر من ذلك، ومع ذلك فإن المهام التي تضعها الدراسة على عاتقه لا تصح إلا إذا كان “مجلس شعب تأسيسي”، وكانت بنيته وعضويته، وطريقة تشكيله تسمح بذلك، وهو ليس كذلك….. هذا تناقض بين التوصيف الحقيقي لطبيعة المجلس الراهن، وبين الوظيفة التي أسندتها الدراسة له، وقدرته على القيام بها، وهو تناقض لا بد من حله.

5ـ وحين تتحدث الدراسة عن التحدي الرئيسي الذي تواجهه سورية، تذهب إلى أن هذا التحدي ” لا يتمثل في تعدد الأزمات، أو تشعب ملفات الإصلاح، وإنما في وجود فجوات مؤسسية تحد من قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية بكفاءة واستدامة” / ص34.
ولا شك في صحة هذا التشخيص لكنه غير كاف، لأن ردم تلك الفجوات يستلزم اكتشاف نقطة البدء التي لا بد من اعتمادها لردم هذه الفجوات، وأن تكون هذه الأداة تملك القدرة على ذلك، وهنا نأتي إلى أحد أهم ما يجب الوقوف عليه، وهو تحديد الجهة التي تقود المجتمع، والتي يجب التوجه إليها وتحميلها مسؤولية فتح الأبواب المغلقة وردم تلك الفجوات، وإنجاز المهام.
أشرتُ في غير موضع إلى الرئيس، شرعيته ومكانته ودوره، لكن المقصود على الحقيقة ليس شخص الرئيس فقط، وإنما القوة الحاكمة، وهي هنا ” هيئة تحرير الشام”، سواء كانت موجودة الآن بهذا الاسم أو بأي اسم آخر.
فالحقيقة التي تدل عليها كل الشواهد أن سورية في عهدها الجديد تحكم من خلال “حزب / قوة منظمة”، هي التي دفعت السيد “أحمد الشرع” لمنصب الرئيس، وهي التي صاغت الوثيقة الدستورية، وهي التي حددت ولادة مجلس الشعب على النحو الذي ظهر به، وهي التي أقرت أو وافقت على تلك التغييرات المهمة “الصحيحة أو الخاطئة” التي وسمت هذه المرحلة ((طبيعة السلطة التنفيذية “حكومة من دون مجلس وزراء”، الهوية الجديدة لسورية، تصميم العملة السورية الجديدة، مهرجانات جمع التبرعات والمشاركات في إعادة الإعمار، طريقة التعاطي مع الأزمات الداخلية، وخصوصا ملف السويداء، وملف قسد.. الخ”، طريقة إعادة بناء قوى الأمن، والجيش السوري، إلغاء خدمة العلم…))، وهي التي تتحكم في كل التعيينات والقرارات والخطوات التي تتخذها السلطة السورية داخليا، وعلى المستوى الإقليمي والدولي.
واستنادا إلى هذه الحقيقة، فإن الخطوة الأولى المطلوبة، وهي المدخل الذي لا بد منه لتفعيل قوى المجتمع، هي الخطوة التي تسفر عن ظهور” الحزب/ القوة المنظمة” إلى العلن، أي خطوة إشهار هذه القوة المنظمة، ب “شخوصها وفكرها وبرنامجها”، لتكون الجهة التي يتوجه الجهد والحديث إليها وعبرها، ويكون الإنجاز والمحاسبة والنظر موجهة إليها.
لا يمكن أن أطالب مجلس الشعب بإنجاز معين، وأنا أدرك قصوره الحالي، ولا اعرف من هي القوة القابضة على زمامه، من هي القوة الموجهة، صحيح أن مجلس الشعب موجود أمام السوريين، لكن القوة المحركة مخفية، لا بد أن توضع هذه القوة تحت ضوء الشمس.
إن مشهد المجلس وهو يتجاوز ويلغي ” لجنة الشؤون السياسية”، من مجموع لجانه، ويستعيض عنها رسميا ب “لجنة الشؤون الدبلوماسية والقنصلية” يوم 27 / 8 / 2026، مشهد غني الدلالة، لم يكن مجرد قصور في الرؤية، وإنما كان أمرا مقصودا، وقد بعث برسالة شديدة السلبية عن عمل المجلس، وعن أفق القوى والشخصيات المتحكمة في عمله، ولا أدري إن كان هناك في برلمانات العالم برلمان لا توجد فيه لجنة للشؤون السياسية والاتصال الخارجي.
إن سلبية هذا الأمر واضحة، والخشية هنا في أن يكون غياب هذه اللجنة يستبطن إرادة في تغييب المجلس عن أي متابعة أو تدقيق في السياسة الخارجية الراهنة لسورية.
الدعوة هنا ليست لتجاوز المجلس التشريعي، فقد بات أمرا واقعا، وإنما الدعوة موجهة للقوى الحقيقية القابضة على السلطة فيه لجعل هذا المجلس ينتج شيئا يمثل الشعب السوري كله. لا يجوز تحميل المجلس كل هذه الأعباء التي حددها البحث ،وأنا أعرف أن بنيته فيها كل ذلك القصور، وأنها جاءت تعبيرا عن طيف واحد من أطياف المجتمع السوري يتوافق مع ” القوة الحاكمة”، في حين تم تغييب أطياف القوى الوطنية والثورية الأخرى.
مطلوب من القوى المتحكمة في السلطة تشريعية، أن تدفع المجلس إلى تبني الدعوة إلى “مؤتمر وطني جامع”، يمثل “التنوع الفذ” في المجتمع السوري من خبراء ومفكرين وأصحاب رأي ومعرفة، ونقابيين، وعلماء، ومن المكونات كلها، تكون مهمته محددة بأمرين اثنين لا ثالث لهما: صوغ مقترح ل”دستور سوري جديد”، وصوغ “ميثاق عمل وطني” يكون بمثابة عقد اجتماعي للسوريين، وفيما عدا هذه المهمة المزدوجة والعظيمة، تترك المهام الأخرى التي أشارت إليها الدراسة كي ينجزها المجلس التشريعي، وبذلك نكون حفظنا للمجلس مكانته، وساعدناه على تجاوز القصور الذي وقع فيه نتيجة طبيعة تكوينه. وسيكون مهما الى اقصى حد أن تنجز الدعوة الى هذا المؤتمر الوطني الجامع خلال المرحلة الأولى التي حددتها الدراسة والتي تنتهي خلال العام 2026، على أن يصدر الدستور والميثاق ويعرضان على الاستفتاء العام في المرحلة الثانية التي تبدأ في العام 2027.
هذا المشهد الخاص بمجلس الشعب، وبغموض القوة المسيطرة والموجهة له، من خصائص الملف السوري، وهو أيضا غير مسبوق في تجارب الشعوب. ويترتب على هذا المشهد أن التشخيص المقدم، وكذلك خطوات العلاج مهما كانت دقيقة فإنها تفتقد جزئيا أو كليا للعنوان الذي ستتوجه إليه.
الفكرة المضافة
مطلوب أن توضع “القوة / الحزب” الحاكم لسورية تحت الشمس، فتعرف شخوصه وبرامجه ورؤيته، وأن يتحمل مسؤوليته في كل ما يحدث في سورية، وأن يكون له دوره في مساعدة مجلس الشعب على تجاوز أزمته البنيوية وذلك بدفعه لاعتماد فكرة الدعوة إلى مؤتمر وطني جامع تكون مهمته وضع مقترح بدستور دائم، وإقرار مشروع ميثاق وطني يكون بمثابة عقد اجتماعي يلتقي عليه السوريين.

6ـ تحدد الدراسة ثلاثة سيناريوهات لمسار التعافي في سوريا تتوزع بين النجاح التدريجي، والتقدم البطيء، وتعثر الإصلاح. لكن من غير الواضح ماهي العوامل التي تضعنا في مسار من هذه المسارات، وكيف يكون الانتقال والتجاوز.
وفي الفقرة الرابعة من تحديدها للأخطار الاستراتيجية التي تحيط بمسيرة سوريا للتعافي تعرض الدراسة الأخطار الأمنية ” وتتمثل في عودة التهديدات الأمنية، أو تنامي الجريمة المنظمة، أو ضعف إدارة الحدود، أو تعثر إصلاح القطاع الأمني” / ص63. وكل واحدة من هذه التهديدات وأمثالها يحتاج إلى وقفة تحديد وتوجيه، والسؤال الابتدائي: هل انتهت التهديدات الأمنية حتى نتحدث عن عودتها؟ ثم ممن تأتي هذه التهديدات؟
هل الاعتداءات الإسرائيلية مظهر من مظاهر هذه التهديدات، هل احتلال الجولان مصدر من مصادر التهديدات القائمة، هل الحركات الانفصالية مظهر من مظاهر هذه التهديدات، هل ” الفلول” وكذلك قوى التطرف الملتصقة بالأجهزة الأمنية والعسكرية على نحو غير محدد، من مظاهر هذه التهديدات، هذا يحتاج إلى تحديد، وبالتالي توجيه وتقرير لسبل التحرك، ثم أين نضع التهديدات الداخلية القائمة المستندة إلى تصرفات السلطة القائمة ذاتها، المركزية أو المحلية في المحافظات والتي تولد ردود فعل احتجاجية شعبية، وبالتالي تخلق جوا مناهضا للسلطة المركزية، وتولد ما يعرف ب”وحدة المشاكل” وبالتالي وحدة القوى المتأثرة بهذه التصرفات، أي تولد تحالفا لقوى ليس شرطا أن تكون متآلفة لكنها باتت بفضل تلك التصرفات موحدة الموقف ضد السلطة، سواء تعلقت تلك التصرفات بمظاهر حياتية أو اجتماعية، حضارية، وسواء كشفت عن نفسها في الأسواق والأسعار، أو في المساجد والمراكز الدينية، أو في التلاعب بأسماء الشوارع والمراكز الحضارية، أو في الميديا التي تعج بكل ما يعصف بوحدة البلاد والعباد، ويعمل على تخريب الهوية الحضارية للمجتمع السوري؟ وفي كل هذا نفتقد الموقف المركزي الواضح المعبر عن السلطة الحاكمة.
في المشهد الأمني نحن نشهد جهودا حثيثة من السلطة السياسية لحل إشكالات الجماعات الانفصالية ومشاريعها، فهل هذه الجهود تتجه في اتجاه حل حقيقي وجذري لهذه الإشكالات، وبالتالي رفعها من قائمة التهديدات الأمنية والاجتماعية، أم أنها تقدم حلول وقتية تعمل على تحييد هذه الإشكالات إلى حين، وبالتالي تبقى التهديدات التي تمثلها كامنة في المجتمع، هذه تساؤلات جدية نسمع صداها في المجتمع، وكمثال على هذا، كيف نحكم من زاوية الأمن المستدام على التنازلات التي تقدمها السلطة السياسية ل”قسد” من أجل دمجها في المجتمع ومؤسساته، حين تقبل القيادة السياسية ببقاء تشكيلات عسكرية مستقلة للقسديين داخل الجيش، وأن يكون وجودها محدد بمناطق محددة، ولعل مثل ذلك يقال عن وحدات حماية المرأة في وزارة الداخلية، هل هذا من قبيل الحل الأمني المستدام؟ أم أنه إجراء مرحلي.

الفارق واسع بين أن يكون وجود هذه التشكيلات وجودا مؤقتا متفق عليه، يستهدف بث الطمأنينة، وبناء الثقة، وهذا مهم ومفيد ومطلوب، وبين أن يكون هذا الوجود وجودا ثابتا يستهدف احتفاظ هؤلاء بقوة جاهزة متميزة ومستقلة، وهنا نكون أمام مصدر حاضر ومعزز للأخطار الأمنية والسياسية والاجتماعية.
الأمر نفسه قد يتكرر في التعامل مع مشكلة الهجريين في جبل العرب. والتعامل مع مختلف القضايا التي يمكن أن تتفجر في مسيرة التعافي.
إن من أهم معايير الحكم على أفق هذه الاتفاقات ومآلاتها ألا تؤثر سلبا على المفهوم الاجتماعي لمعنى المواطنة والمتمثل في حرية المواطن السوري داخل وطنه: “حرية الإقامة والانتقال والتملك والاستثمار”.

الفكرة المضافة
مسيرة التعافي في سوريا تحتاج إلى الشفافية والوضوح، وإلى إدارة المخاطر الأمنية والسياسية والاجتماعية على قاعدة الحلول المستدامة، والمشاركة الشعبية، والشفافية، وتحديد الجهات التي تمثل خطرا امنيا قائما، والامتناع عن القيام بأي خطوات في الداخل السوري تؤدي إلى ” وحدة المشاكل” وبالتالي زيادة المخاطر الأمنية، وأن تبنى التحركات في هذا المجال على قاعدة المواطنة الحقة في بناء قوى الأمن والقوات المسلحة، والحذر من أي خطوة تؤدي إلى التفريط بوحدة البلاد، وسيادتها، وفي امتلاك القدرة في الدفاع عنها. أو تحد من حق المواطن في الإقامة والتملك والانتقال والاستثمار في أي مكان على الأرض السورية.

7ـ ومما تشترك فيها المأساة السورية مع ما شهدته شعوب أخرى من صراعات ونظم فيها من بعض مما صفات النظام الأسدي هو حالة الفقر التي أصابت قطاعا واسعا من الشعب، سواء الذي بقي تحت ظل هذا الحكم، أو الذي هجر من وطنه، وحالة الدمار التي أصابت جميع مناحي الحياة المادية ومستلزماتها، وجميع الخدمات الصحية والتعليمية، وفوق هذا كله واقع تخلف أجيال من الأطفال عن الدخول في سلك التعليم. وإذا استندنا إلى تقديرات البنك الدولي لتكلفة إعادة إعمار الأصول والبنية التحتية فقد بلغت 216 مليار دولار.
ودون الخوض في مصادر تمويل خطط إعادة الإعمار، فمما لا شك أن إعادة الإعمار ليست قضية تمويل فقط، ولا قضية توفر الأرضية القانونية والأمنية والإدارية لتحريك عجلة إعادة الإعمار، وإنما هي قبل ذلك وبعده قضية أولويات، وبطبيعة الأمور يخضع ترتيب الأولويات إلى الفكر الاجتماعي الذي يوجه القوى المتحكمة بزمام السلطة الجديدة.
الدراسة تتحدث عن ” أهمية الأمن المجتمعي” في مرحلة إعادة الإعمار التي قدرت الدراسة عبور مستوياتها الثلاثة حتى العام 2030، وهنا يطرح السؤال الكبير، عن الأولويات في إعادة الإعمار، هل استجلاب الاستثمار ومشروعاته الكبرى له الأولوية على غيره، أم معالجة التهجير والفقر والمدارس والصحة والماء والكهرباء والخدمات العامة والبطالة، والاختلال الخطر بين تدني الأجور وارتفاع تكاليف الحياة.
هل يقودنا في هذا المسار توجه يتطلع إلى اقتصاد اجتماعي يرتب الأولويات وفق احتياجات القطاعات الشعبية التي دفعت الأثمان الأغلى في الثورة على النظام البائد، أم يقودنا توجه يرى في الواقع السوري ” فرصا استثمارية استثنائية يجب اقتناصها”. الفارق جوهري بين هذا وذاك، وأثره على الأمن والسلم الاجتماعي كبير جدا.
وهنا يبرز دور كل من القطاع العام والقطاع التعاوني ومؤسساته، وأيضا القطاع الوقفي، في التصدي لمهام النهوض بالمجتمع والناس، وكذلك في توجيه الثروة الوطنية وأصولها، وصناديق السيادة…..الخ. ومما يلفت الانتباه في الدراسة الغياب شبه التام لدور ومكانة القطاع العام وما يتصل به في التصدي لمهام هذه المرحلة.

الفكرة المضافة
أن يولي البحث في العرض والتوصيات المقدمة للسلطة التشريعية “ص/ 69 ” الأهمية اللازمة “للقطاع العام” ووظيفته الاجتماعية والتنموية في مسيرة التعافي، وهو قطاع ذو وجود ودور ومسؤولية مهمة في استقرار المجتمع السوري الراهن، وفي المساهمة بتوفير شروط الحياة الكريمة للمواطن، وأرى أن الإضرار بهذا القطاع بأي شكل كان، وتحت أي مبرر أو اعتبار، من شأنه أن يزيد التناقضات داخل المجتمع السوري، ويعرض الأمن والسلم الداخلي للخطر.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

علي الطاهر بداية التوغل وليس نهاية حرب

لم يأتِ تفجير “علي الطاهر” يتيماً، بل على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت ولا يمكن اختزاله بحادثة أمنية او اعتباره “هزيمة...

"زلزال علي الطاهر"... مسرح نتنياهو الانتخابي وغنائم كاذبه ورسالة المحور كله

مقدمة 1100 طن متفجرات. هزة بقوة 4.2 ريختر. تلة محيت من الخريطة. هذا ما فعلته “إسرائيل” ليلة 10 أيلول 2026 في “علي الطاهر”. نتنياهو أ سماه “إنجاز...

غزة والجنوب اللبناني: جغرافيا واحدة للوجع واختلافات في الحكاية

حين ننظر إلى غزة والجنوب اللبناني على الخريطة، قد لا نجد الكثير مما يجمع بينهما. هنا شريط ساحلي ضيق ومحاصر، وهناك منطقة واسعة من القرى والبلدات والحقول تمتد جنوب لبنان. هنا أكثر...

لندن تصف سياسات نتنياهو بـ "التطهير العرقي"... هل بدأ تفكك التحالف الغربي مع إسرائيل؟

عندما تصدر لندن، عاصمة “وعد بلفور”، حكماً سياسياً وقانونياً على حكومة “إسرائيل” بأنها تمارس “التطهير العرقي” في الضفة، وأنها ترتكب “جرائم...

حين تقترب حرب إيران وأميركا من لبنان

لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة محصورة في جبهة واحدة، بل امتدت إلى الملاحة والطاقة والقواعد العسكرية، فيما بدأت تداعياتها تطال أكثر من ساحة في المنطقة. ومع اتساع رقعة...

نائب الغلابة.. عمرو رشاد يتكفل بسداد المصروفات الدراسية للطلاب غير القادرين بالجيزة

أعلن المهندس عمرو رشاد، عضو لجنة الإسكان والإدارة المحلية والنقل بمجلس الشيوخ وعضو لجنة القيم، ورئيس قطاع وسط الجيزة بحزب حماة الوطن، إطلاق مبادرة «إحنا أهل»، للتكفل بسداد...