الأربعاء، 26 أغسطس 2026
بيروت
32°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

من أين جاء اللئام؟

كل الذين لعبت و تعلمت معهم، و كل الذين صاحبتهم في الحيّ في المدينة وفي البرية في الريف ..أخبروني ان أحلامهم عظيمة ،وان العلا هدفهم وأنهم يخافون الله ،وان الله يمهل ولا يهمل .
كل الذين عرفتهم كانوا يصومون ويصلّون وكانوا يدّعون انهم شاهدوا “الطبّال” عند السحور في شهر رمضان من النافذة ،او انهم صافحوه باليد وكشفوا ملامح وجهه.
كل الذين ضحكنا معهم ،كل الذين خفنا واياهم من قصف طائرات العدو الأصيل صفّقوا معي لبطولات الفدائيين.
كل الذين رقصنا وغنّينا وضحكنا معهم ،كانوا يخافون غضب أهلهم إن كذّبوا او ان قطفوا عنقود عنب بالحرام من عريشة جارهم.
كل الذين بكينا معهم خلف جنازات اجدادهم ما كنّا نعرف الميتين ،إنما كنا صادقين في حزننا تأثراً بمصابهم.
كل الذين كنّا نتسامر معهم كانوا مثلنا يخشون غضب الله إن كذّبوا وان تسببوا بالاذية لأي كان ،حتى انهم مثلنا كانوا يصدقون روايات جدّاتنا ان من يعذب قطة تلعنه السماء فورا، لأن دعاء القطط مستجاب.
كل الذين تكسّرت او اضاعوا اقلامهم كنّا نناولهم من حقائبنا المدرسية قلما بديلا نحمله معنا احتياطاً لنا ،ولانقاذ زملائنا.
كل الذين عرفناهم كانوا بشوشين وصادقين فمن أين أتى الاشرار؟
و والد من هو المجرم والكذاب وكل اصحابي وأصدقائي يحكون أجمل القصص عن ابائهم ،ومنهم من يترحم ومنهم من يسأل عن حسنة جارية لعله يدعم المرحوم بحسنات مستعجلة واحتياطية أمام ربّه؟
من أين أتى اللصوص ،والله لم يغادر الكون والكل هنا ما زالوا يمارسون الصوم والصلاة ويسارعون لعمل الخير أمام الناس.
وإن مات الطبّال قرع الطبل ابنه.
من أين أتى الفاسدون ؟ والكل هنا يقسم ان من يأكل بالحرام ستحرقه نار جهنم.
من أين جاؤوا ونحن هنا لم نتغيّر ولم نسأل يوما عن طائفة عنترة و بزرجمهر و امرؤ القيس وقيس بن الملوح والمتنبي واحمد شوقي و ايليا ابو ماضي والاخطل الصغير والجواهري ومحمود درويش وسميح القاسم و حتى اننا لم نسأل يوما في اي حزب كان مظفر النواب.
لم نهتم للحظة لدين أعضاء فرقة البوني ام و الآبا والبي جيز.
كل الذين مررنا معهم قرب كنيسة ومسجد ومعبد لملمنا فتات الخبز معاً عن الأرض ،و وضعناه جانباً كي لا تدوسه الاقدام ،لأنه لا يجوز دوس النعمة ،لأن في البلاد البعيدة وفي البيوت المستورة فقراء.
بل كنّا نقبّل الخبز لانه نعمة ونضعه جانبا بإحترام مع عبارة “استغفر الله”.
كل الذين كنا نعرفهم كانوا يسرعون لقلب “الشحاطة”ان كانت موجهة نحو السماء كي لا نستفز الملائكة.
كل الذين نعرفهم ما زالوا في القلب وفي البال حنيناً رائعاً ..فمن أين تكاثر القتلة وكيف تكاثر الطائفيون الانجاس من حولنا…؟
من أين جاء اللئام وكلنا كنّا وعشنا بمحبة وعلى وئام ؟
كل الذين نعرفهم ندموا انهم هاجروا، الا انهم كتبوا في وصيتهم لابنائهم ان لا يُدفنوا الا قرب اضرحة أهلهم وقرب اضرحتنا ،لعلنا نعود كما كنّا أطفالاًابرياء لم تغيّرهم الدنيا ،ولم يغرهم المال ولم تجعلهم الخيبات والظنون والاوهام والاحقاد والحسد والمال الحرام مجرمين.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

علي الطاهر… حين تلتقي التلة اللبنانية بهرمز وباب المندب

قد تبدو مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان بعيدة كل البعد عن مضيق هرمز وباب المندب. واحدة تلة تشرف على النبطية، والاثنان ممران بحريان يفصل بينهما آلاف الكيلومترات. لكن الحروب...

"حلف مكة"... هل يعيد التوازن للمنطقة بعد التغول الإسرائيلي والارتباك الأمريكي؟

في 7 أغسطس 2026، وتحديداً في قصر الصفا بمكة المكرمة، وُقعت “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية....

التاريخ يعيد نفسه محادثات الهدنة 1949 واتفاق الاطار 2026 كلاهما تحت اشراف أميركا

عند نهاية كانون الأول 1948 وشباط 1949 تحول موقف لبنان حول مسألة اتفاقية الهدنة ، من موقف سلبي يرفض أية مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي للتوصل الى اتفاق ، انتقل اللبنانيون الى التعبير...

في ذكرى مرور أربع سنوات على وفاة أستاذي الغالي البروفيسور إفرام بعلبكي

في ذكرى مرور أربع سنوات على وفاة أستاذي الغالي في جامعة القديس يوسف – معهد الآداب الشرقية – قسم الماجستير في التربية، البروفيسور إفرام بعلبكي، أستعيد اليوم بعضا من ذكرياتي معه، لا...

مقالي الاسبوعي في مجلة الشراع اللبنانية ,عدد353 الصادر في 16-12-2016

كتب هذه المقالة – الدراسة عن احمد حسون الزميل الكبير الراحل محمد خليفة ، وهو احدقادة الثورة الشعبية ضد نظام آل الاسد ، وكان يعرف احمد حسون معرفة شخصية ، وكان والدا الزميل...

الفتنة... كيف الخلاص؟(2)

إذا كانت الفتنة مرضاً أصاب مجتمعاتنا، فإن الخلاص منها يحتاج إلى مشروع وطني متكامل، لا إلى ردود فعل مؤقتة. المسؤولية الأولى تقع على الدولة ومؤسساتها، ثم على الإعلام، ثم على كل فرد...