الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

من الأشرفية إلى حيّ السلم: كيف نجونا من الحرب بالجيرة

لم يكن في بال الحاج علي، المولود في محلّة الأشرفية، أن الجغرافيا يمكن أن تنقلب فجأة إلى سؤال، وأن الاسم قد يصبح بطاقة عبور أو سبب توقّف. لم يكن يتخيّل أن أمواج التهجير القسري التي فجّرتها الحرب الأهلية المشؤومة ستنتزعه من ذاكرته الأولى، وتلقي به في مكان لا يشبه سوى قلق البدايات.

يقول: وُلدت في الأشرفية، كبرت بين شوارعها، وحملت رائحتها معي إلى المدرسة، إلى اللعب، إلى صداقات لم تكن تعرف الطوائف، ولا تسأل عن الأسماء. هناك، لم يكن الاختلاف عائقًا، بل تنوّعًا طبيعيًا، كألوان البيوت المتجاورة. إلى أن جاء عام 1975، وقررت الحرب أن تعلّمنا قسوة الخرائط.

خرجنا من المنطقة بلا وداع. سيارة تمضي، وقلوب معلّقة خلف الزجاج. لا نعرف إلى أين نذهب، فقط نبتعد. توقّفت السيارة في مكان يُقال له تحويطة الغدير. سأل والدي: كيف نصل إلى حيّ السلم؟ فجاء الجواب عاديًا، كما لو أن الأمر لا يعني اقتلاع عمرٍ كامل: «بوجهك على طول… ثم على اليسار».

كان البيت كبيرًا، تحيط به أشجار الزيتون والليمون، كريمة في عطائها، صامتة في غربتها. ومع ذلك، شعرت أن شيئًا ما مكسور في داخلي. لم يكن البيت ناقصًا، كنت أنا الناقص. تركتُ هناك، في الأشرفية، طفولتي، وأصوات الجيران، وتمثالًا صغيرًا للسيدة العذراء عليها السلام، كنت أضعه قرب سريري، وأستمدّ منه كل صباح طمأنينة لا تُشبه شيئًا آخر.

وكأن الأمهات يمتلكن حاسة لا تخطئ، لقد قرأت أمي ما في خاطري، وقالت فجأة: «يا علي، حطّ تمثال السيدة العذراء عالباب».

تنفّستُ بعمق. كان التمثال معنا. حملناه كما يحمل المرء قلبه حين يترك كل شيء خلفه. وضعته عند الباب، وجلست أفتّش في كيسٍ صغير عن كنزٍ آخر، رسائل أصدقائي في المدرسة. قرأتها واحدةً واحدة. لم أجد فيها ما يشير إلى اختلاف، أو خوف، أو مسافة. وجدت حبًا صافياً، وحنينًا بريئًا، ووعودًا صغيرة لا تعرف أن الحرب ستسرقها.

مرّت السنوات… وفي عام 1987، عند أحد الحواجز الميليشياوية، توقّفت مجددًا. أوقفوني على اليمين. لم أكن مشتبهًا، ولا مطلوبًا، فقط اسمي كان “علي”.

وفي لحظة لا تُنسى، خرجت «الطانْت تريز» من سيارتها، وبرفقتها زوجها الخواجة فريد. الجارة نفسها، الوجه نفسه، الذاكرة نفسها. اقتربت من الحاجز، وقالت بصوت لا يعرف الخوف: «شو بدكن بهالناس؟ بس اسمُه علي؟ الله ما بيرضى بالظلم».

لم تكن تدافع عن شخص، بل عن فكرة. عن زمنٍ لم تكن فيه الأسماء تُحاكم، ولا الهويات تُفتّش. تأثّرت قبل مسؤول الحاجز، الذي قال لي بهدوء: «روح على بيتك».

وبعفوية لا شعورية ركضتُ نحوها لأشكرها، فابتسمت تلك الابتسامة التي تشبه البيوت القديمة والجيرة القديمة، وقالت: «على شو بدك تشكرني؟ أنتم كنتم أحلى جيران. سلّم على إم علي… وخلّونا نشوفكم».

في تلك اللحظة، أدركت أن الوطن ليس مساحة تُرسم بالخرائط، بل علاقة تُبنى بين الناس. وأن الجيرة الصادقة قادرة، في أكثر الأزمنة قسوة، على أن تكون ملجأً لا حاجزًا. فهمت أن الحرب تستطيع أن تغيّر الأمكنة، لكنها تعجز عن اقتلاع ما ترسّخ في الذاكرة من محبة. هكذا نجونا… لا بالقوة، ولا بالانتصار، بل لأننا بقينا جيرانًا، رغم كل شيء.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...

إيلي أبي عكر: ضمير حي في مواجهة التعسف الحزبي

في قلب لبنان الممزق بين الانقسامات والصراعات الطائفية والسياسية، يظهر أحيانًا من يذكّرنا بأن الإنسانية ليست مجرد كلمة، بل فعل وقرار وشجاعة. إيلي أبي عكر، الشاب من جبيل، هو أحد...