الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
24°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

إيلي أبي عكر: ضمير حي في مواجهة التعسف الحزبي

في قلب لبنان الممزق بين الانقسامات والصراعات الطائفية والسياسية، يظهر أحيانًا من يذكّرنا بأن الإنسانية ليست مجرد كلمة، بل فعل وقرار وشجاعة. إيلي أبي عكر، الشاب من جبيل، هو أحد هؤلاء الذين يكتبون بفعلهم أجمل صفحات الشرف اللبناني.

إيواؤه لنزيل نازح في منزله، شيعي يعمل لديه منذ اثني عشر عامًا، لم يكن عملاً تكتيكيًا أو تحصيل درجات أخلاقية، بل قرارًا إنسانيًا بحتًا، نابعًا من ضمير حي وقناعة بأن الإنسان، بغض النظر عن انتمائه، يستحق الرحمة والحماية في أوقات الشدة. لكن هذا الموقف النبيل صُدم بتحدٍ صادم فحزب القوات اللبنانية وضع إيلي أمام خيار مستحيل، إما التخلي عن مبادئه الإنسانية وحرمان إنسان محتاج، أو الاستقالة من الحزب.

اختار إيلي الطريق الأصعب والأكثر شرفًا: الاستقالة. وفي نص استقالته، جاء ما يعكس كل عمق موقفه: “إلى قيادة حزب القوات اللبنانية، تحية طيبة وبعد، بناءً على طلب الدكتور سافور بركات، أتقدم منكم باستقالتي من الحزب بشكل نهائي، وذلك بسبب الموقف الذي طُلب مني اتخاذه تجاه أحد موظفي الذي يعمل لدي منذ اثني عشر عاماً، والذي قمت بإيوائه في منزلي بعد أن تضرر منزله نتيجة الأحداث الأخيرة.
إن قراري بمساعدته كان قراراً إنسانياً بحتاً، نابعاً من قناعاتي الشخصية ومن واجبي الأخلاقي تجاه إنسان لجأ إلي في ظرف صعب، بغض النظر عن طائفته أو انتمائه. ولا أستطيع أن أقبل أن يُطلب مني التخلي عن مبادئي الإنسانية أو أن أُحاسب على عمل قمت به بدافع الواجب والضمير.
بناءً عليه، أقدم استقالتي لأنني لا أستطيع أن أكون جزءاً من أي توجه يتعارض مع قيمي الإنسانية والمهنية.
مع الشكر والتقدير،
إيلي أبي عكر”

هذا البيان لا يثبت فقط شجاعة إيلي ووضوح موقفه، بل يكشف حجم التعسف الذي يمكن أن يقع تحت شعارات الانتماء السياسي، حيث يُعاقب الشخص على فعله الأخلاقي ويُختبر فيه ضميره قبل أي شيء آخر.

هذا الموقف يذكّرنا بأن الانتماء الحقيقي يجب أن يكون للأرض، للإنسان، وللقيم التي تحمي كرامته وحقوقه. وإيلي أبي عكر من خلال موقفه يثبت أن الوطن الحقيقي هو حيث تتلاقى القيم والضمير والإنسانية، وليس حيث تُفرض الانتماءات فوق الفعل الأخلاقي.

إن ما جرى مع إيلي يجب أن يكون إنذارًا لكل من يظن أن الولاء الحزبي يمكن أن يحل محل الضمير، وأن المبادئ يمكن أن تُباع أو تُهمل. لبنان بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى رجال ونساء مثل إيلي، يختارون الإنسان قبل الانتماء، والكرامة قبل السلطة، والرحمة قبل السياسة.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...