الأربعاء، 9 سبتمبر 2026
بيروت
27°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

إيلي أبي عكر: ضمير حي في مواجهة التعسف الحزبي

في قلب لبنان الممزق بين الانقسامات والصراعات الطائفية والسياسية، يظهر أحيانًا من يذكّرنا بأن الإنسانية ليست مجرد كلمة، بل فعل وقرار وشجاعة. إيلي أبي عكر، الشاب من جبيل، هو أحد هؤلاء الذين يكتبون بفعلهم أجمل صفحات الشرف اللبناني.

إيواؤه لنزيل نازح في منزله، شيعي يعمل لديه منذ اثني عشر عامًا، لم يكن عملاً تكتيكيًا أو تحصيل درجات أخلاقية، بل قرارًا إنسانيًا بحتًا، نابعًا من ضمير حي وقناعة بأن الإنسان، بغض النظر عن انتمائه، يستحق الرحمة والحماية في أوقات الشدة. لكن هذا الموقف النبيل صُدم بتحدٍ صادم فحزب القوات اللبنانية وضع إيلي أمام خيار مستحيل، إما التخلي عن مبادئه الإنسانية وحرمان إنسان محتاج، أو الاستقالة من الحزب.

اختار إيلي الطريق الأصعب والأكثر شرفًا: الاستقالة. وفي نص استقالته، جاء ما يعكس كل عمق موقفه: “إلى قيادة حزب القوات اللبنانية، تحية طيبة وبعد، بناءً على طلب الدكتور سافور بركات، أتقدم منكم باستقالتي من الحزب بشكل نهائي، وذلك بسبب الموقف الذي طُلب مني اتخاذه تجاه أحد موظفي الذي يعمل لدي منذ اثني عشر عاماً، والذي قمت بإيوائه في منزلي بعد أن تضرر منزله نتيجة الأحداث الأخيرة.
إن قراري بمساعدته كان قراراً إنسانياً بحتاً، نابعاً من قناعاتي الشخصية ومن واجبي الأخلاقي تجاه إنسان لجأ إلي في ظرف صعب، بغض النظر عن طائفته أو انتمائه. ولا أستطيع أن أقبل أن يُطلب مني التخلي عن مبادئي الإنسانية أو أن أُحاسب على عمل قمت به بدافع الواجب والضمير.
بناءً عليه، أقدم استقالتي لأنني لا أستطيع أن أكون جزءاً من أي توجه يتعارض مع قيمي الإنسانية والمهنية.
مع الشكر والتقدير،
إيلي أبي عكر”

هذا البيان لا يثبت فقط شجاعة إيلي ووضوح موقفه، بل يكشف حجم التعسف الذي يمكن أن يقع تحت شعارات الانتماء السياسي، حيث يُعاقب الشخص على فعله الأخلاقي ويُختبر فيه ضميره قبل أي شيء آخر.

هذا الموقف يذكّرنا بأن الانتماء الحقيقي يجب أن يكون للأرض، للإنسان، وللقيم التي تحمي كرامته وحقوقه. وإيلي أبي عكر من خلال موقفه يثبت أن الوطن الحقيقي هو حيث تتلاقى القيم والضمير والإنسانية، وليس حيث تُفرض الانتماءات فوق الفعل الأخلاقي.

إن ما جرى مع إيلي يجب أن يكون إنذارًا لكل من يظن أن الولاء الحزبي يمكن أن يحل محل الضمير، وأن المبادئ يمكن أن تُباع أو تُهمل. لبنان بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى رجال ونساء مثل إيلي، يختارون الإنسان قبل الانتماء، والكرامة قبل السلطة، والرحمة قبل السياسة.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

نائب الغلابة.. عمرو رشاد يتكفل بسداد المصروفات الدراسية للطلاب غير القادرين بالجيزة

أعلن المهندس عمرو رشاد، عضو لجنة الإسكان والإدارة المحلية والنقل بمجلس الشيوخ وعضو لجنة القيم، ورئيس قطاع وسط الجيزة بحزب حماة الوطن، إطلاق مبادرة «إحنا أهل»، للتكفل بسداد...

الكتاب الذي منعت أميركا نشره

كاتبه جون بيركنز لم يكن صحفيا، كان موظفا رسميا في شركة اسمها MAIN العملاقة. هذه الشركة واجهة لوكالة الامن القومي NSA. وظيفته في البطاقة: خبير اقتصادي كبير. وظيفته الحقيقية: قاتل...

من علي الطاهر إلى صناديق الاقتراع... الحرب التي تجمع ترامب ونتنياهو وتفرقهما.

تقترب صناديق الاقتراع، وتقترب معها المنطقة من مرحلة تبدو فيها السياسة والميدان وجهين لمعركة واحدة. فالانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول، تليها الانتخابات الأميركية في 3 تشرين...

كفررمان والجنوب... هل هؤلاء بنية تحتية؟

تسعة أسماء. بينهم أطفال ونساء. سقطوا في مجزرة بلدة كفررمان الجنوبية: محمد نعيم فرحات، حسن وحسين ومحمد وفاطمة فرحات، زهراء أيوب، والأطفال مريم وعبدالله وعباس فرحات. هل هؤلاء...

المعتدي والمعتدى عليه أوروبا بين شعارات القيم ومنطق المصالح

المنظومة الدولية التي وُلدت بخطيئة الازدواجية منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، تأسست المنظومة الدولية على أسس نظرية سامية الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون،...

هل كان سيد قطب مؤسس جماعة الإخوان المسلمين مفكر عظيم أم إرهابي كبير

أصدر ويلفر كرين ضابط المخابرات الأميركية كتابه ” حبال من رمال ” سنة 1948 بتاريخ حرب فلسطين ، فخاف الأميركيون من ارتماء العرب في أحضان الشيوعية ، وقرروا جذب الشيوخ...