السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
24°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

إيلي أبي عكر: ضمير حي في مواجهة التعسف الحزبي

في قلب لبنان الممزق بين الانقسامات والصراعات الطائفية والسياسية، يظهر أحيانًا من يذكّرنا بأن الإنسانية ليست مجرد كلمة، بل فعل وقرار وشجاعة. إيلي أبي عكر، الشاب من جبيل، هو أحد هؤلاء الذين يكتبون بفعلهم أجمل صفحات الشرف اللبناني.

إيواؤه لنزيل نازح في منزله، شيعي يعمل لديه منذ اثني عشر عامًا، لم يكن عملاً تكتيكيًا أو تحصيل درجات أخلاقية، بل قرارًا إنسانيًا بحتًا، نابعًا من ضمير حي وقناعة بأن الإنسان، بغض النظر عن انتمائه، يستحق الرحمة والحماية في أوقات الشدة. لكن هذا الموقف النبيل صُدم بتحدٍ صادم فحزب القوات اللبنانية وضع إيلي أمام خيار مستحيل، إما التخلي عن مبادئه الإنسانية وحرمان إنسان محتاج، أو الاستقالة من الحزب.

اختار إيلي الطريق الأصعب والأكثر شرفًا: الاستقالة. وفي نص استقالته، جاء ما يعكس كل عمق موقفه: “إلى قيادة حزب القوات اللبنانية، تحية طيبة وبعد، بناءً على طلب الدكتور سافور بركات، أتقدم منكم باستقالتي من الحزب بشكل نهائي، وذلك بسبب الموقف الذي طُلب مني اتخاذه تجاه أحد موظفي الذي يعمل لدي منذ اثني عشر عاماً، والذي قمت بإيوائه في منزلي بعد أن تضرر منزله نتيجة الأحداث الأخيرة.
إن قراري بمساعدته كان قراراً إنسانياً بحتاً، نابعاً من قناعاتي الشخصية ومن واجبي الأخلاقي تجاه إنسان لجأ إلي في ظرف صعب، بغض النظر عن طائفته أو انتمائه. ولا أستطيع أن أقبل أن يُطلب مني التخلي عن مبادئي الإنسانية أو أن أُحاسب على عمل قمت به بدافع الواجب والضمير.
بناءً عليه، أقدم استقالتي لأنني لا أستطيع أن أكون جزءاً من أي توجه يتعارض مع قيمي الإنسانية والمهنية.
مع الشكر والتقدير،
إيلي أبي عكر”

هذا البيان لا يثبت فقط شجاعة إيلي ووضوح موقفه، بل يكشف حجم التعسف الذي يمكن أن يقع تحت شعارات الانتماء السياسي، حيث يُعاقب الشخص على فعله الأخلاقي ويُختبر فيه ضميره قبل أي شيء آخر.

هذا الموقف يذكّرنا بأن الانتماء الحقيقي يجب أن يكون للأرض، للإنسان، وللقيم التي تحمي كرامته وحقوقه. وإيلي أبي عكر من خلال موقفه يثبت أن الوطن الحقيقي هو حيث تتلاقى القيم والضمير والإنسانية، وليس حيث تُفرض الانتماءات فوق الفعل الأخلاقي.

إن ما جرى مع إيلي يجب أن يكون إنذارًا لكل من يظن أن الولاء الحزبي يمكن أن يحل محل الضمير، وأن المبادئ يمكن أن تُباع أو تُهمل. لبنان بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى رجال ونساء مثل إيلي، يختارون الإنسان قبل الانتماء، والكرامة قبل السلطة، والرحمة قبل السياسة.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...

كوزو أوكاموتو الرجل الذي أحرج العرب ، الآتي من خلف البحار لنصرة فلسطين، رحل.

عام 1972، كان كوزو أوكاموتو شابًا يابانيًا في ربيع العمر، في الخامسة والعشرين من عمره. ترك بلاده وأهله، والتحق مع اثنين من رفاقه: تسويوشي أوكودايرا ياسويوكي ياسودا وبقدر ما يصعب...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...

23 يوليو يوم في تاريخ الأمة لا مثيل له

في مثل هذا اليوم من عام 1952 عبرت الأمة العربية كلها إلى المستقبل حين تحركت طلائعها في مصر لاستلام السلطة، ولوضع هذا البلد العربي المركزي في مكانه الصحيح، المكان الذي فرضته عليها...