السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
25°C
غيوم متفرقة
AdvertisementAdvertisement

نصي التاني: حكاية صداقة ووفاء بين الشياح وعين الرمانة

لم يعتد العم إلياس على غياب الحاج عبد الله بعد؛ صديقه منذ نعومة أظافره، زميله في العمل، ورفيق دربه في كل تقاطعات الحياة. لطالما تبادلا الزيارات والضيافات، وتشاركا السهرات العائلية المليئة بالضحك والقصص الحلوة. لكن منذ خمس سنوات، انقلب كل شيء؛ أصبحت الزيارات من طرف واحد، إذ صار إلياس يأتي وحيدًا لزيارة قبر صديقه في جبانة الشهيدين – الغبيري، يحمل بين يديه الماضي كله، ويسرد للحجارة ذكريات عمر امتد سبعين سنة.
التقيت به هناك، بينما كنت أغسل ضريح والدتي. رجلٌ عجوز قد أنهكه العمر، لكن الذي كسره وأضعفه كان رحيل صديقه العزيز، “عزيز الروح”، كما يحلو له أن يناديه. جلس عند القبر، يتحدث إلى نفسه كأن روح عبد الله قد عادت لتجالس روحه. همس بصوتٍ خافت، لا يسمعه إلا هو: «وين تركتني وفلّيت؟ أنا هلّق بحاجة إلك أكتر من أي وقت مضى… إنت كنت كل أهلي، وأصحابي، وأحبابي.»
أشعل بخورته، ونظر بعيدًا، مسبحة وصليب يلمعان على عنقه، مشهد أثار فضولي. اقتربت منه وسألته بلطف: «مرحبًا يا عم، مين عندك هون؟»
وضع يده على قبر عبد الله وأرخى عينيه، قائلاً بصوت متهدّج: «أنا ودّعت هون نصّي التاني… نصّي الحلو، نصّي الطيب. ودّعت خيّي وحبيبي.»
سألته عن أصله، فأجاب بثبات: «أنا لبناني. لبنان ديني، وهويتي، وانتمائي. أمّا عبادتي فبيني وبين الله.»
تأثرت، صافحته وقبّلت جبينه، وسألته عن من أين من لبنان، فقال بابتسامة تحمل ذكريات العمر كله: «من الشياح، ساكن بعين الرمانة.»
وعن الحاج عبد الله: «الله يرحمه… من صور.»
وبدا العم إلياس يسترجع الذكريات، صوته يعلوه الحنين أحيانًا والضحك أحيانًا أخرى: «أووووف، قصة طويلة عمرها حوالي سبعين سنة… البداية في مدرسة الشياح الرسمية، درسنا سوا، ثم اشتغلنا بقطع السيارات، وكبرنا، وتزوجنا، وكبروا أولادنا… مرت الحوادث، بنت سافرت، شبان توفوا بحادث سير… كل هذا كان مزيجًا من الضحك والحزن معًا.»
ابتسم فجأة وقال: «بالعادة كنا متفقين إذا حدا وقفنا بالشرقية يسمي حاله طوني وبالغربية بسمي حالي خالد. مرة كنا راجعين من السينما بوقت متأخر… وقفونا أربع مسلحين، سألونا من وين الشباب؟ صرنا ننظر لبعض، مش عارفين شو نجاوب، المنطقة اللي وقفونا فيها منطقة تماس وما عارفين مين اللي وقفنا… بعد لحظة، قالولنا طلعوا كل شي معكم!»
ضحك بصوت عالٍ، ضحكًا مليئًا بالمرارة والفكاهة معًا، وقال: همس لي عبد الله: «الحمد لله طلعوا مشلحين، مش ميليشيات.»
وتابع العم إلياس: «شلحونا وزعبونا هههه… لو ميليشيات كانوا صفّونا، رجعنا عالبيت مشي، بس طول الوقت كنا عم نضحك.»

«بخاطرك» قال العم إلياس وغادر وهو ينظر إلى القبر، بين الحزن والحنين والضحك، كأن الحياة كلها قد مرت أمامه في تلك اللحظة: الماضي والحاضر، الصديق الغائب وذكرياته الخالدة، الحزن الذي يثقل القلب، والضحك الذي يخفف وطأة الغياب.
كان هناك شيء في هذا المشهد، شيئًا يجعل كل من يراه يشعر أن الحياة ليست مجرد فقد، بل رحلة من الذكريات والقصص والضحكات والبكاء، تتناوب فيها المرارة مع الحنان، حتى تكتمل صورة الوفاء الحقيقي للصديق والروح. ثم قال: «بزورك بكرا يا عبد الله.»

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...

كوزو أوكاموتو الرجل الذي أحرج العرب ، الآتي من خلف البحار لنصرة فلسطين، رحل.

عام 1972، كان كوزو أوكاموتو شابًا يابانيًا في ربيع العمر، في الخامسة والعشرين من عمره. ترك بلاده وأهله، والتحق مع اثنين من رفاقه: تسويوشي أوكودايرا ياسويوكي ياسودا وبقدر ما يصعب...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...

23 يوليو يوم في تاريخ الأمة لا مثيل له

في مثل هذا اليوم من عام 1952 عبرت الأمة العربية كلها إلى المستقبل حين تحركت طلائعها في مصر لاستلام السلطة، ولوضع هذا البلد العربي المركزي في مكانه الصحيح، المكان الذي فرضته عليها...