نُشر قبل قليل لقاء جديد للسفير التركي في سوريا نوح يلماز على محطة «سوريا الآن»… حيث اعتبر كثيرون أن هذا اللقاء من أهم واخطر اللقاءات ،التي تكشف كيف تنظر أنقرة إلى سورية خلال السنوات القادمة.
لأننا نتحدث عن رجل أمضى نحو عشر سنوات داخل الاستخبارات التركية… ثم أصبح كبير مستشاري هاكان فيدان… ثم رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية في الخارجية… ثم نائبًا لوزير الخارجية… قبل أن ترسله أنقرة كأول سفير لها في دمشق بعد أكثر من 13 عامًا.
والأهم…
أنه قال إن الملفات التي يديرها اليوم في دمشق أكثر من الملفات التي كان يديرها عندما كان نائبًا للوزير…وإن السفارة التركية في سورية أصبحت أكبر سفارات تركيا من حيث عدد الدبلوماسيين.
يعني انظر جيدًا…
هذه ليست سفارة تقليدية فقط… بل يبدو أنها تتحول إلى ما يشبه غرفة إدارة للمشروع التركي في سورية.
ومن خلال حديث يلماز تستطيع تقريبًا رسم الاستراتيجية كاملة…
أولًا… بناء الدولة قبل كل شيء.
تركيا تريد حكومة واحدة… جيشًا واحدًا… أجهزة أمنية واحدة… حدودًا ومعابر بيد دمشق… وإنهاء السلاح المستقل واقتصاد الحرب والتهريب.
بل تحدث عن نقل الخبرة التركية إلى السوريين في الجيش والأمن والمالية والجمارك والزراعة والتعليم وبناء الوزارات والمؤسسات.
أي أن أنقرة لا تنظر إلى سوريةكملف مساعدات… بل كعملية إعادة بناء دولة.
ثانيًا… قسد.
هنا الاستراتيجية التركية واضحة جدًا…تركيا تفرق بين الأكراد السوريين وبين قسد وحزب العمال… وتريد في النهاية المعابر والنفط والموارد والمؤسسات والحدود تحت سلطة دمشق… ثم دمج العناصر السوريين داخل مؤسسات الدولة وإنهاء القيادة العسكرية المستقلة.
والأذكى أن تركيا تريد أن تفعل دمشق ذلك قدر الإمكان…
لأن إنهاء هذه الحالة بواسطة الدولة السورية أفضل لأنقرة من الدخول بنفسها في حرب طويلة.
ثالثًا… الجيش السوري.
السفير يتحدث عن تدريب وإعادة هيكلة وبناء لوجستي وتطوير للصيانة والصناعة العسكرية والبحرية… ومشاركة الجيش السوري في مناورات «إيفس» في تركيا ،جاءت أصلًا لكي يرى الضباط السوريون نموذج العمليات التركية ويحددوا احتياجات جيشهم الجديد.
وهنا تبدأ “إسرائيل” بالنظر إلى ما هو أبعد من اليوم…
فالمشكلة بالنسبة لها ماذا سيكون شكل الجيش السوري بعد خمس أو عشر سنوات إذا أصبحت خلفه تركيا؟
ثم انظر إلى البحر…
تركيا أرسلت أسطولًا إلى اللاذقية… وتعرض تدريب البحرية السورية والمساعدة في بناء السفن… بما يعني إعادة الساحل السوري تدريجيًا إلى معادلة شرق المتوسط….وهذه نقلة نوعية وخطيرة ومهمة جداً…
لكن في المقابل…أنقرة لا تريد جر سوريةالآن إلى حرب كبرى مع “إسرائيل” أو لبنان أو أي طرف آخر.
الاستراتيجية تبدو كالتالي:
اهدأ الآن… ابنِ الدولة والاقتصاد والجيش… ثم تتغير موازين القوة وحدها.
فكل سنة تمر من دون حرب تعني آلاف الجنود الذين يمكن تدريبهم… مؤسسات أقوى… استثمارات أكثر… واقتصادًاأكبر.
ثم يأتي الجزء الذي أراه أخطر من السلاح نفسه…
الاقتصاد.
اتفاق تجارة حرة… فتح المعابر… ميناء جاف… مناطق صناعية مشتركة… استثمارات… ربط طرق وجمارك… طاقة وزراعة ونسيج… والهدف الوصول بالتجارة إلى عشرة مليارات دولار ثم تجاوزها.
وبعدها تتحول سورية إلى ممر…
تركيا ← سوريا ← الأردن ← السعودية والخليج…
وممر آخر نحو العراق… وآخر نحو لبنان والمتوسط.
وهنا نفهم لماذا سوريةمهمة جدًا في المشروع الإقليمي التركي…
تركيا لا تريد سورية تابعة لها… تريد سورية قوية ولكن مصالحها الأمنية والعسكرية والاقتصادية مرتبطة بأنقرة ،بحيث يصبح استقرار دمشق جزءًا من الأمن القومي التركي.
والأبعد من ذلك أن السفير يتحدث بعقلية خمسين عامًا…
ملايين السوريين عاشوا في تركيا… مئات الآلاف حصلوا على جنسيتها… أطفال تعلموا هناك… رجال أعمال… لغة… مدارس… عائلات ومصاهرات…
أي أن أنقرة تحاول بناء علاقة بين جيل تركي وجيل سوري كامل.
وهنا تحديدًا أفهم القلق الإسرائيلي…”إسرائيل” لا تقرأ سورية كما هي في 2026 فقط…بل تحاول أن تتخيل سوريا في 2036:
دولة موحدة… من دون ميليشيات مستقلة… جيش مركزي تدعمه تركيا… اقتصاد مرتبط بالأناضول والخليج… موانئ وسكك ومصانع… وعلاقة استراتيجية مع واحدة من أكبر القوى العسكرية في المنطقة.
لذلك عندما تسمع التهديدات الإسرائيلية المتكررة لسورية…لا تنظر فقط إلى سورية الضعيفة الخارجة من حرب طويلة…انظر إلى سورية التي يخشون أن تولد بعد عشر سنوات.
ويبدو أن أنقرة أرسلت إلى دمشق رجلًا من مدرسة هاكان فيدان لكي يشارك في هندسة هذه المرحلة منذ بدايتها…وهذا ربما يفسر لماذا تراقب “إسرائيل” كل خطوة تركية في سورية ليل نهار…وتشتكي لترامب باستمرار…!!!
فالخطر بالنسبة لها ليس ما تملكه دمشق اليوم… بل ما يجري بناؤه بهدوء للمستقبل…..ومن هذه الزاوية يجب ان نطرب لصياح الاحتلال …!!!


