الأربعاء، 29 يوليو 2026
بيروت
31°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

َهْمُ الدَّولةِ المَدَنيّة في لُبنان حين يُسوَّق المُستحيل كحلّ

ليسَ في لُبنانِ أزمةُ نظامٍ فقط، بل أزمةُ وَهْم.
وهمٌ جرى تسويقه على مدى عقود باعتباره العلاج السحري لكلّ علل الدولة، فيما هو في جوهره هروبٌ من الحقيقة لا مواجهتها.
ذلك الوهم اسمه الدولة المدنيّة.

يُقال للبنانيّين إنّ خلاصهم يكمن في إلغاء الطائفيّة، وكأنّها مجرّد مادّة دستوريّة قابلة للشطب، أو خلل إداري يمكن إصلاحه بمرسوم. غير أنّ هذه المقاربة، مهما بدت أخلاقيّة وجذّابة، تتجاهل واقعًا تاريخيًّا واجتماعيًّا لا يمكن القفز فوقه.

فالطائفيّة في لبنان ليست اختراعًا سياسيًّا حديثًا، ولا انحرافًا طارئًا على مسار الدولة، بل بِنيةٌ تاريخيّة سابقة على قيام الجمهوريّة نفسها. جذورها ضاربة في عهود الإمارات، ومتجذّرة في الوعي الجمعي منذ ما قبل دولة لبنان الكبير، وتحوّلت مع الزمن من إطار اجتماعي إلى نظام حكم فعلي.

من أحداث القرن التاسع عشر الدامية، إلى المتصرّفية، إلى الميثاق الوطني، ثمّ إلى الحرب الأهليّة، لم تكن الطائفة يومًا مجرّد انتماء ديني، بل وحدة أمان وصراع وتنظيم. وبعد الحرب، لم تُفكَّك هذه البنية، بل أُعيد تدويرها تحت عناوين جديدة، أكثر أناقة وأشدّ نفاقًا.

لبنان، ببساطة، بلد موزاييك الطوائف.
وكلّ طائفة فيه ليست كتلة روحيّة فحسب، بل نظامًا متكاملًا…مرجعيّات، زعامات، شبكات مصالح، اقتصاد ظلّ، وخطوط ولاء تتقدّم على الدولة عند الامتحان الحقيقي.

وهنا تكمن الحقيقة التي يرفض كثيرون الاعتراف بها…اللبناني، عند الأزمات الوجوديّة، لا يتصرّف كمواطن، بل كابن جماعة.
والدولة، في وعيه، كيانٌ مؤجَّل، بينما الطائفة هي الملجأ الفوري.

من هذا المنطلق، يصبح الحديث عن إلغاء الطائفيّة، من دون مسار تاريخي واجتماعي طويل، حديثًا إنشائيًّا لا أكثر.
محاولة نزع الطائفيّة من رأس اللبناني بقراراتٍ فوقيّة أو بخطابٍ أخلاقي، تشبه محاولة صناعة الحلوى بلا سكر:
قد ينجح الشكل، لكن الطعم كاذب، والنتيجة فاشلة.

المشكلة الحقيقيّة ليست في وجود الطوائف، بل في الكذب السياسي المُنظَّم.
كذبُ من يوهم الناس بإمكانيّة القفز فوق التاريخ، وتجاهل الواقع الاجتماعي، وفرض دولة مدنيّة على مجتمع لم يُحسم فيه أصلًا مفهوم الدولة، ولا معنى المواطنة، ولا حدود الولاء.

الصدق السياسي يفرض مقاربة مختلفة، أقلّ شعبويّة وأكثر واقعيّة، إدارة الطائفيّة بعقل الدولة، لا التظاهر بإلغائها.
تنظيمها، ضبطها، تقليص قدرتها على التعطيل، وبناء دولة قويّة فوقها، لا دولة وهميّة تُستَخدم كشعار انتخابي موسمي.

أمّا الاستمرار في بيع وَهْم الدولة المدنيّة، فلن ينتج دولة، بل مزيدًا من الانهيار، لأنّه يهرب من المشكلة بدل مواجهتها، ويزرع خيبة جديدة فوق ركام الخيبات القديمة.

في لبنان،
لا خلاص بالأوهام،
ولا إنقاذ بالشعارات،
ولا دولة تُبنى على إنكار ما نحن عليه.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

لقاء الثلاثاء… هل يناقش الشرق الأوسط أم مستقبل الرجلين؟

على الرغم من أن جدول أعمال اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو يتضمن رسمياً ملفات إيران وغزة وسورية ولبنان ، إلا...

نظرة في ملف "محمود أحمدي نجاد"

أثارت تقارير صحفية، واستخباراتية إسرائيلية الكثير من اللغط حول الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، وعن تجنيده لصالح الموساد الإسرائيلي أو محاولة تجنيده على اختلاف الروايات....

بداية الإصلاح... رؤية السقطات

في كل أزمة يمر بها وطن، وفي كل نكبة تصيب شعباً، يبرز سؤال واحد: من أين نبدأ الإصلاح؟ والجواب بسيط وعميق في آنٍ معاً: بدايةُ الإصلاحِ رؤيةُ السقطاتِ والأخطاءِ والثغراتِ، ثم...

لماذا لا تضرب إيران "إسرائيل"؟

أيا ما كان مصير مساعى الوسطاء فى باكستان وفى قطر ، فإن العودة للتفاوص الأمريكى الإيرانى ، لن تؤدى غالبا إلى وقف الحرب الجديدة الجارية على جبهة إيران ، ولا إلى تقليص ما جرى ويجرى...

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...