السبت، 13 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

َهْمُ الدَّولةِ المَدَنيّة في لُبنان حين يُسوَّق المُستحيل كحلّ

ليسَ في لُبنانِ أزمةُ نظامٍ فقط، بل أزمةُ وَهْم.
وهمٌ جرى تسويقه على مدى عقود باعتباره العلاج السحري لكلّ علل الدولة، فيما هو في جوهره هروبٌ من الحقيقة لا مواجهتها.
ذلك الوهم اسمه الدولة المدنيّة.

يُقال للبنانيّين إنّ خلاصهم يكمن في إلغاء الطائفيّة، وكأنّها مجرّد مادّة دستوريّة قابلة للشطب، أو خلل إداري يمكن إصلاحه بمرسوم. غير أنّ هذه المقاربة، مهما بدت أخلاقيّة وجذّابة، تتجاهل واقعًا تاريخيًّا واجتماعيًّا لا يمكن القفز فوقه.

فالطائفيّة في لبنان ليست اختراعًا سياسيًّا حديثًا، ولا انحرافًا طارئًا على مسار الدولة، بل بِنيةٌ تاريخيّة سابقة على قيام الجمهوريّة نفسها. جذورها ضاربة في عهود الإمارات، ومتجذّرة في الوعي الجمعي منذ ما قبل دولة لبنان الكبير، وتحوّلت مع الزمن من إطار اجتماعي إلى نظام حكم فعلي.

من أحداث القرن التاسع عشر الدامية، إلى المتصرّفية، إلى الميثاق الوطني، ثمّ إلى الحرب الأهليّة، لم تكن الطائفة يومًا مجرّد انتماء ديني، بل وحدة أمان وصراع وتنظيم. وبعد الحرب، لم تُفكَّك هذه البنية، بل أُعيد تدويرها تحت عناوين جديدة، أكثر أناقة وأشدّ نفاقًا.

لبنان، ببساطة، بلد موزاييك الطوائف.
وكلّ طائفة فيه ليست كتلة روحيّة فحسب، بل نظامًا متكاملًا…مرجعيّات، زعامات، شبكات مصالح، اقتصاد ظلّ، وخطوط ولاء تتقدّم على الدولة عند الامتحان الحقيقي.

وهنا تكمن الحقيقة التي يرفض كثيرون الاعتراف بها…اللبناني، عند الأزمات الوجوديّة، لا يتصرّف كمواطن، بل كابن جماعة.
والدولة، في وعيه، كيانٌ مؤجَّل، بينما الطائفة هي الملجأ الفوري.

من هذا المنطلق، يصبح الحديث عن إلغاء الطائفيّة، من دون مسار تاريخي واجتماعي طويل، حديثًا إنشائيًّا لا أكثر.
محاولة نزع الطائفيّة من رأس اللبناني بقراراتٍ فوقيّة أو بخطابٍ أخلاقي، تشبه محاولة صناعة الحلوى بلا سكر:
قد ينجح الشكل، لكن الطعم كاذب، والنتيجة فاشلة.

المشكلة الحقيقيّة ليست في وجود الطوائف، بل في الكذب السياسي المُنظَّم.
كذبُ من يوهم الناس بإمكانيّة القفز فوق التاريخ، وتجاهل الواقع الاجتماعي، وفرض دولة مدنيّة على مجتمع لم يُحسم فيه أصلًا مفهوم الدولة، ولا معنى المواطنة، ولا حدود الولاء.

الصدق السياسي يفرض مقاربة مختلفة، أقلّ شعبويّة وأكثر واقعيّة، إدارة الطائفيّة بعقل الدولة، لا التظاهر بإلغائها.
تنظيمها، ضبطها، تقليص قدرتها على التعطيل، وبناء دولة قويّة فوقها، لا دولة وهميّة تُستَخدم كشعار انتخابي موسمي.

أمّا الاستمرار في بيع وَهْم الدولة المدنيّة، فلن ينتج دولة، بل مزيدًا من الانهيار، لأنّه يهرب من المشكلة بدل مواجهتها، ويزرع خيبة جديدة فوق ركام الخيبات القديمة.

في لبنان،
لا خلاص بالأوهام،
ولا إنقاذ بالشعارات،
ولا دولة تُبنى على إنكار ما نحن عليه.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...