السبت، 7 مارس 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الخيانة وقبل ترامب أطاحت مادورو

 

بدأ المشهد الفنزويلي يتخذ منحىً أكثر خطورة مع التهديد الأميركي الحقيقي الذي تجلّى في استعراض القوة العسكرية في البحر الكاريبي، رسالة واضحة لا تحتمل التأويل، مفادها أن واشنطن لم تعد تكتفي بالعقوبات والبيانات، بل باتت تلوّح بأدوات الردع الصلبة. في المقابل، جاء التهديد والوعيد الفنزويلي على لسان الرئيس نيكولاس مادورو وقيادات نظامه، موجهاً مباشرة ضد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في خطاب تصعيدي يذكّر بلغة الحرب الباردة، لكنه بدا أقرب إلى رفع معنويات داخلية منه إلى قدرة فعلية على المواجهة.
غير أن ما يختبئ خلف هذا التوتر العلني هو اختراق أمني-مخابراتي عميق داخل بنية الدولة الفنزويلية نفسها. .. اختراق استند إلى خيانة كبار الضباط الفنزويليين ، ومعظمهم درس في المعاهد العسكرية الأميركية فالمعطيات المتداولة تشير إلى خروقات خطيرة داخل المؤسسة العسكرية، وأخرى داخل الجسم السياسي الحاكم، لدرجة أن الشكوك تطاول شخصيات من الصف الأول، سواء من القيادات العسكرية العليا أو من السياسيين الأكثر قرباً من الرئيس مادورو. هذا الواقع لا يعبّر فقط عن ضعف أمني، بل عن تآكل الثقة داخل النظام، حيث لم يعد الولاء مضموناً حتى في الدوائر الأكثر حساسية.
وتعزز هذه الصورة أعداد الضباط الكبار الهاربين من فنزويلا خلال السنوات الأخيرة، والذين شكّلوا مادة دسمة للأجهزة الغربية. من أبرز هؤلاء رئيس المخابرات العسكرية السابق هوغو “إل بولو” كارفاخال (El Pollo Carvajal)، الذي يخضع للمحاكمة في الولايات المتحدة، بعد أن كان أحد أعمدة النظام الأمنية. ولا يقل أهمية عنه الجنرال “ميغيل أدواردو رودريغز”، رئيس مخابرات، ووزير داخلية سابق، الذي لجأ إلى إسبانيا، في مؤشر واضح على تفكك الحلقة الصلبة التي كان يعتمد عليها مادورو.
وهناك اعتقاد لم يثبت توكيده ، بأن مادورو ، وبعد ان تأكد من تخلي كبار الضباط عنه ، آثر حماية وطنه فنزويلا ، من الدمار الاميركي المتوقع ، وحرص على منع وقوع كوارث وقتلى بين المدنيين في بلاده ،فكان امامه هذا الأمر الواقع ، وهو التسليم خصوصاً وان الجيش الفنزويلي تخلى عنه ، فلم تطلق رصاصة واحدة ضد العدوان ..ثم انه ادرك عميقاً ان حلفاءه عبر الأطلسي في آسيا وفي جنوبي شرقها اي الصين وروسيا ، لم ولن يقدما له في مواجهة الهجمة الاميركية اكثر من بيانات الاستنكار
هذه العوامل
مجتمعة ،
دفعته للمصير الفردي له ، ليدفع هو الثمن لتبقى فنزويلا وشعبها!! ووسط هذا المشهد، يبرز تناقض لافت في تصريحات الرئيس ترامب حول هوية البدائل المحتملة لحكم فنزويلا بعد مادورو. ففي لحظة، يتحدث عن “نوعيات جيدة” من ضباط كبار في الجيش الفنزويلي، وكأن واشنطن تفتح الباب أمام سيناريو انتقال تقوده المؤسسة العسكرية. وفي لحظة أخرى، يبدي إيجابية تجاه دلسي رودريغز، نائبة مادورو التي تولّت السلطة بعده، وهي شقيقة خورخي رودريغز، رئيس مجلس النواب الحالي ورئيس الحزب الحاكم في آنٍ معاً. هذا التناقض يطرح تساؤلات جدية حول حقيقة الرؤية الأميركية: هل تبحث واشنطن عن تغيير النظام أم عن إعادة تدويره بوجوه مختلفة؟
في المقابل، بدا موقف ترامب فاتراً تجاه زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، إذ شكك بأهليتها للحكم واعتبرها “غير محبوبة شعبياً”، على الرغم من إقراره بأن وزير خارجيته يعرفها وينسّق معها ملف فنزويلا. هذا التناقض يعكس ارتباكاً أو ازدواجية في المقاربة الأميركية، وربما صراعاً داخل مراكز القرار نفسها.
ومن خلال المؤتمر الصحفي الأخير، يظهر بوضوح أن الملف الفنزويلي يُدار في معظمه من قبل ماركو روبيو، وزير الخارجية، المعروف بتشدده تجاه الأنظمة اليسارية في أميركا اللاتينية، وبارتباطه الوثيق باللوبي الكوبي-الفنزويلي في الولايات المتحدة. ما يعني أن السياسة الأميركية تجاه كاراكاس باتت مؤدلجة أكثر، وأقل قابلية للحلول الوسط.
أما النقطة الأخطر، فهي خدعة “الجماهير” التي أتقنها مادورو وجماعته. فقد أغرقوا الإعلام بتصريحات نارية عن تحويل فنزويلا إلى “فيتنام جديدة” أو “أفغانستان أخرى”، وعن تجهيز ملايين المواطنين للدفاع عن النظام ومقاومة أي تدخل خارجي. لكن المفارقة الصادمة كانت في طريقة اعتقال مادورو المذلّة، التي نسفت كل هذا الخطاب، وكشفت أن تلك الحشود الموعودة لم تكن سوى وهم سياسي وإعلامي.
هنا يبرز السؤال الأكثر حساسية:
هل كانت “عملية المطرقة” مسرحية متقنة؟
هل كان أبطالها من داخل النظام نفسه، وتحديداً رفاق مادورو، وعلى رأسهم الأخوان رودريغز: دلسي وخورخي؟ أم أن ما جرى أكبر من ذلك بكثير، ويتصل بتفاهمات سرّية إقليمية ودولية، جرى تنفيذها بهدوء ودقة؟
الدليل الأبرز على فرضية المسرحية هو غياب ردود الفعل التي توازي ضخامة الحدث. فلا انفجار شعبي، ولا تمرد عسكري، ولا حتى خطاب تصعيدي مقنع. كل ما صدر كان بيانات وتصريحات من المدعي العام، أقرب إلى نصوص مسرحية باردة، لا إلى موقف دولة تتعرض لانقلاب أو “اختطاف سيادي”.
في المحصلة، تبدو فنزويلا اليوم عالقة بين استعراض قوة أميركي محسوب، ونظام داخلي متآكل، ومشهد سياسي يفيض بالتناقضات والخدع. وما جرى لا يمكن اختزاله باعتقال رئيس أو سقوط نظام، بل هو فصل من صراع أكبر، تُدار فيه اللعبة بأدوات غير مرئية، حيث الخيانة تلبس ثوب الوطنية، والمسرحيات تُقدَّم باسم السيادة.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل ما شهدناه نهاية حقبة مادورو، أم مجرد تبديل أدوار داخل المسرح نفسه لتسهيل الاستيلاء على ثروات فنزويلا ؟

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

هل يُعَدّ صمود إيران اليوم انتصاراً… أم تأجيلاً لحسمٍ أكبر؟

في الحروب الكبرى، لا تُقاس النتائج دائماً بعدد الضربات أو حجم الخسائر في اللحظات الأولى. فالتاريخ العسكري يُظهر أن المرحلة الأولى من أي مواجهة غالباً ما تكون مرحلة الصدمة، حيث...

موقفٌ مشرّف لأهل السنّة مع إخوانهم الشيعة النازحين

في أوقات الرخاء قد يختلف الناس في السياسة، وتتباين آراؤهم في الشأن العام، وتعلو الأصوات أحيانًا في جدالاتٍ لا تنتهي. لكن حين تهبّ العواصف الكبرى، وحين تضيق الأرض على أهلها بفعل...