لم يعد الزواج في زمن التواصل الرقمي يشبه ما كان عليه قبل عقود. فالفضاء الإلكتروني فتح أبوابًا جديدة للتعارف، بعضها صادق وناضج، وبعضها مصطنع، يختبئ خلف الشاشة، ويقدّم نفسه بصورة لا تمتّ للحقيقة بصلة. وهكذا ظهرت ظاهرة يُمكن تسميتها بـ”الزواج الإلكتروني” أو “الزواج الاصطناعي”، حيث تبدأ العلاقة بكلمة عابرة، ثم تنمو على وقع الرسائل المتبادلة، وتتحوّل إلى وعود كبيرة، على الرغم من أنها لم تُختبر يومًا في الحياة الواقعية.
ومع أنّ “الإنترنت” أتاح للكثيرين فرصة لقاء لم يكن ممكنًا لقاؤه في الواقع، وسهّل الاتصال بين أشخاص يعيشون في بلدان مختلفة أو بيئات اجتماعية متباعدة، إلا أنّ هذه الوسيلة لم تخلُ من مخاطر عميقة. فالعلاقة التي تُبنى في بيئة افتراضية هي علاقة يمكن لأي طرف فيها أن يختار ما يظهره وما يخفيه، وأن يقدّم نفسه بصورة منقّحة، محسّنة، مجتزأة، لا يمكنك رؤيتها كاملة كما يحدث في الواقع. ومع هذا التجميل المتعمّد، يتشكّل لدى الطرف الآخر انطباعاً غير حقيقي، فيتعلّق بصورة مصنوعة لا بإنسان واقعي.
كثير من قصص الزواج عبر “الإنترنت” بدأت بهذه الطريقة: كلمات منمّقة، اهتمام مفاجئ، مكالمات متتابعة، ثم انجذاب عاطفي سريع، يليه وعد بالارتباط. لكن ما إن ينتقل الطرفان إلى أول مواجهة فعلية مع الواقع، حتى يكتشفا أنّ العلاقة لم تكن ناضجة بما يكفي، وأن ما جمعهما لم يكن معرفة حقيقية، بل حالة وجدانية سريعة التأثر بكل ما هو رقمي، سريعة الانهيار أمام أول اختبار عملي.
وتزداد خطورة هذا النوع من العلاقات حين يتسلّل إليها الخداع المتعمّد. فهناك من يغيّر عمره، أو يخفي وضعه الاجتماعي الحقيقي، أو يظهر نفسه أعزباً وهو متزوج، أو يستعمل صورًا ليست له، فينخدع الطرف الآخر بصورة لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة. كما وقع الكثيرون في فخّ الاستغلال العاطفي أو المالي تحت ذريعة “الاستعداد للزواج”. وما إن يتكشف الواقع حتى تكون الصدمة موجعة، لا لأن العلاقة انتهت، بل لأن الثقة انكسرت.
قصتان واقعيتان:
نوال فتاة تواصلت مع شاب عبر تطبيق مخصص للتعارف، وأقنعها بأنه يعيش في بلد آخر، وأنه أعزب ويبحث عن زواج جاد. تبادلا الرسائل والصور والمكالمات لأسابيع، حتى وعدها بالقدوم لزيارتها وتقديم طلب الزواج رسميًا. لكنها اكتشفت لاحقًا أنه كان متزوجًا بالفعل، وهو كان يستخدم صورًا مزيفة لتضليلها، وقد استغل تعلقها العاطفي لطلب مال بحجج واهية. كانت الصدمة كبيرة، وكادت أن تكلفها ثقتها في العلاقات كلها.
اما فادي فتواصل مع فتاة عبر إحدى المنصات الاجتماعية، وكانت الفتاة تبدو مثالًا للرقة والاهتمام. بعد أسابيع من التعارف، اقترحت إنشاء علاقة رسمية عبر الإنترنت قبل اللقاء، مما جعل الشاب يرسل مصاريف تحضير للزواج والطلبات الشخصية. عند اللقاء الأول، اكتشف أن الفتاة كانت تشارك علاقات متعددة مع آخرين بالطريقةنفسها ، وأن كل ما بني بينهما افتراضي بالكامل، ولم يكن لها نية حقيقية للارتباط، تاركة وراءها خيبة أمل كبيرة.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن “الإنترنت” أحيانًا يكون جسرًا للتعارف الحقيقي. فقد نجحت علاقات كثيرة بدأت عبر الرسائل، لكنها سرعان ما انتقلت إلى اللقاء الواقعي، وتعرّف فيها الطرفان على بعضهما بصدق، ومرّا بمراحل طبيعية من الاختبار والوضوح والمسؤولية، ثم تُوّجت بزواج مستقرّ. فالوسيلة ليست مشكلة بحدّ ذاتها، إنما المشكلة في أن يظلّ التعارف حبيس الشاشة، وأن يُبنى الزواج فوق أرض من الخيال، من دون مقابلات حقيقية، او معرفة عميقة، أواختبار للمواقف.
إنّ الارتباط الذي يقوم على صورة مصطنعة، مهيّأ للسقوط عند أول نسمة شكّ، أما الارتباط الذي يقوم على الحقيقة فهو الوحيد القادر على الصمود. والفرق بينهما ليس في الطريقة التي بدأ بها، بل في مقدار الصدق والوضوح الذي رافقه، وفي سرعة انتقاله من العالم الافتراضي إلى العالم الواقعي، حيث تظهر الطباع الحقيقية، وتُختبر القدرة على تحمل المسؤولية، وتُبنى أسس الحياة المشتركة.
في زمن تُصنع فيه الكلمات وتُجمَّل الصور وتُرتّب المشاعر، يصبح الوعي ضرورة لا بديل عنها. فالإنترنت يمكن أن يكون بابًا واسعًا للوهم، ويمكن أن يكون نافذة مشرقة للتعارف الصادق؛ والفيصل بينهما بصيرة الإنسان، ووعيه، وقدرته على رؤية الحقيقة خلف الزينة الرقمية.


