الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

البقاع ينزف... يزفّ أبناءه سعداء، والدولة تراقب وتندّد وتستنكر

ليس البقاع خبرًا عابرًا في شريطٍ عاجل، ولا رقمًا يُضاف إلى نشرة الضحايا، ولا بيانًا رسميًا يُتلى ببرودٍ على شاشات المساء، ثم يُطوى كما تُطوى أوراق الأمس في أدراج النسيان.

البقاع وجعٌ يتجدّد كلّ يوم، وجرحٌ مفتوحٌ في خاصرة الوطن، ينزف كرامةً قبل أن ينزف دمًا، ويزفّ أبناءه إلى الشهادة سعداء، كأنهم يمضون إلى عرسٍ سماويّ، فيما الوطن واقفٌ على شرفته يتفرّج.

هناك… حيث الحدود ليست خطوطًا على الخرائط بل نارًا مشتعلة، وحيث الليل أطول من قدرة الدولة على السهر، تُكتب البطولة بمداد الدم، وتُرفع الأكفّ بالدعاء، وتُبنى الاستراتيجيات بدل أن تُكرَّر التنديدات والاستنكارات.

في البقاع كما في الجنوب، الأمّ تودّع ابنها وقلبها معلّقٌ بين السماء والأرض، والأب يشيّع فلذة كبده مرفوع الرأس مكسور الفؤاد، والأطفال يكبرون قبل أوانهم، يتعلّمون معنى الفقد قبل أن يتعلّموا معنى الأمان.
أمّا الدولة… فتراقب، وتندّد، وتستنكر، وتُسطّر المحاضر، وتفرض الضرائب. لا تحاول حتى أن تردع المعتدي؛ تُشكّل لجانًا، وتُصدر بيانات، ثم تنام على وسادة الكلمات، كأنّ الحبر قادرٌ على وقف النزيف، وكأنّ البلاغة تعوّض غياب القرار.
أيُّ وطنٍ هذا الذي اعتاد أن يرى أبناءه دروعًا له، ولم يعتد أن يكون لهم درعًا؟
وأيُّ سيادةٍ هذه إذا كان المواطن هو من يدفع ثمنها دمًا؟ وأيُّ عدالةٍ تحفظ صياغة البيان ولا تحفظ دم الإنسان؟

البقاع ليس هامشًا في جغرافيا الوطن، ولا تفصيلًا في مشهدٍ سياسيٍّ مزدحم؛ إنّه قلب لبنان النابض، خزّان صموده، وساحة عزّته. وإذا نزف القلب… فكيف يبقى الجسد حيًّا؟

البقاع لا يطلب المستحيل، ولا يسأل امتيازًا، ولا ينتظر منّةً من أحد. يطلب فقط دولةً تشبه اسمها: دولةً تحمي أبناءها كما يحمي الآباء أبناءهم، وتسهر عليهم كما تسهر الأمهات، وتجعل أمنهم أولويةً لا بندًا مؤجّلًا، وكرامتهم التزامًا لا شعارًا.

سيبقى البقاع يزفّ أبناءه بفخرٍ وعزّة، وسيصنع من الألم كرامةً، ومن الجراح ثباتًا.
لكن العار كلّ العار أن تبقى الدولة تزفّ بياناتها بلا فعل، وأن تكتفي بلغة الإدانة في زمنٍ لا يفهم إلا لغة القوّة والشجاعة والقرار الجريء؛ لغة الدولة التي تعرف أنّ كرامة أبنائها ليست فقرةً في خطاب… بل معنى وجودها.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...