الأربعاء، 29 يوليو 2026
بيروت
27°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

البقاع ينزف... يزفّ أبناءه سعداء، والدولة تراقب وتندّد وتستنكر

ليس البقاع خبرًا عابرًا في شريطٍ عاجل، ولا رقمًا يُضاف إلى نشرة الضحايا، ولا بيانًا رسميًا يُتلى ببرودٍ على شاشات المساء، ثم يُطوى كما تُطوى أوراق الأمس في أدراج النسيان.

البقاع وجعٌ يتجدّد كلّ يوم، وجرحٌ مفتوحٌ في خاصرة الوطن، ينزف كرامةً قبل أن ينزف دمًا، ويزفّ أبناءه إلى الشهادة سعداء، كأنهم يمضون إلى عرسٍ سماويّ، فيما الوطن واقفٌ على شرفته يتفرّج.

هناك… حيث الحدود ليست خطوطًا على الخرائط بل نارًا مشتعلة، وحيث الليل أطول من قدرة الدولة على السهر، تُكتب البطولة بمداد الدم، وتُرفع الأكفّ بالدعاء، وتُبنى الاستراتيجيات بدل أن تُكرَّر التنديدات والاستنكارات.

في البقاع كما في الجنوب، الأمّ تودّع ابنها وقلبها معلّقٌ بين السماء والأرض، والأب يشيّع فلذة كبده مرفوع الرأس مكسور الفؤاد، والأطفال يكبرون قبل أوانهم، يتعلّمون معنى الفقد قبل أن يتعلّموا معنى الأمان.
أمّا الدولة… فتراقب، وتندّد، وتستنكر، وتُسطّر المحاضر، وتفرض الضرائب. لا تحاول حتى أن تردع المعتدي؛ تُشكّل لجانًا، وتُصدر بيانات، ثم تنام على وسادة الكلمات، كأنّ الحبر قادرٌ على وقف النزيف، وكأنّ البلاغة تعوّض غياب القرار.
أيُّ وطنٍ هذا الذي اعتاد أن يرى أبناءه دروعًا له، ولم يعتد أن يكون لهم درعًا؟
وأيُّ سيادةٍ هذه إذا كان المواطن هو من يدفع ثمنها دمًا؟ وأيُّ عدالةٍ تحفظ صياغة البيان ولا تحفظ دم الإنسان؟

البقاع ليس هامشًا في جغرافيا الوطن، ولا تفصيلًا في مشهدٍ سياسيٍّ مزدحم؛ إنّه قلب لبنان النابض، خزّان صموده، وساحة عزّته. وإذا نزف القلب… فكيف يبقى الجسد حيًّا؟

البقاع لا يطلب المستحيل، ولا يسأل امتيازًا، ولا ينتظر منّةً من أحد. يطلب فقط دولةً تشبه اسمها: دولةً تحمي أبناءها كما يحمي الآباء أبناءهم، وتسهر عليهم كما تسهر الأمهات، وتجعل أمنهم أولويةً لا بندًا مؤجّلًا، وكرامتهم التزامًا لا شعارًا.

سيبقى البقاع يزفّ أبناءه بفخرٍ وعزّة، وسيصنع من الألم كرامةً، ومن الجراح ثباتًا.
لكن العار كلّ العار أن تبقى الدولة تزفّ بياناتها بلا فعل، وأن تكتفي بلغة الإدانة في زمنٍ لا يفهم إلا لغة القوّة والشجاعة والقرار الجريء؛ لغة الدولة التي تعرف أنّ كرامة أبنائها ليست فقرةً في خطاب… بل معنى وجودها.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

لقاء الثلاثاء… هل يناقش الشرق الأوسط أم مستقبل الرجلين؟

على الرغم من أن جدول أعمال اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو يتضمن رسمياً ملفات إيران وغزة وسورية ولبنان ، إلا...

نظرة في ملف "محمود أحمدي نجاد"

أثارت تقارير صحفية، واستخباراتية إسرائيلية الكثير من اللغط حول الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، وعن تجنيده لصالح الموساد الإسرائيلي أو محاولة تجنيده على اختلاف الروايات....

بداية الإصلاح... رؤية السقطات

في كل أزمة يمر بها وطن، وفي كل نكبة تصيب شعباً، يبرز سؤال واحد: من أين نبدأ الإصلاح؟ والجواب بسيط وعميق في آنٍ معاً: بدايةُ الإصلاحِ رؤيةُ السقطاتِ والأخطاءِ والثغراتِ، ثم...

لماذا لا تضرب إيران "إسرائيل"؟

أيا ما كان مصير مساعى الوسطاء فى باكستان وفى قطر ، فإن العودة للتفاوص الأمريكى الإيرانى ، لن تؤدى غالبا إلى وقف الحرب الجديدة الجارية على جبهة إيران ، ولا إلى تقليص ما جرى ويجرى...

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...