الأحد، 13 سبتمبر 2026
بيروت
32°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

البقاع ينزف... يزفّ أبناءه سعداء، والدولة تراقب وتندّد وتستنكر

ليس البقاع خبرًا عابرًا في شريطٍ عاجل، ولا رقمًا يُضاف إلى نشرة الضحايا، ولا بيانًا رسميًا يُتلى ببرودٍ على شاشات المساء، ثم يُطوى كما تُطوى أوراق الأمس في أدراج النسيان.

البقاع وجعٌ يتجدّد كلّ يوم، وجرحٌ مفتوحٌ في خاصرة الوطن، ينزف كرامةً قبل أن ينزف دمًا، ويزفّ أبناءه إلى الشهادة سعداء، كأنهم يمضون إلى عرسٍ سماويّ، فيما الوطن واقفٌ على شرفته يتفرّج.

هناك… حيث الحدود ليست خطوطًا على الخرائط بل نارًا مشتعلة، وحيث الليل أطول من قدرة الدولة على السهر، تُكتب البطولة بمداد الدم، وتُرفع الأكفّ بالدعاء، وتُبنى الاستراتيجيات بدل أن تُكرَّر التنديدات والاستنكارات.

في البقاع كما في الجنوب، الأمّ تودّع ابنها وقلبها معلّقٌ بين السماء والأرض، والأب يشيّع فلذة كبده مرفوع الرأس مكسور الفؤاد، والأطفال يكبرون قبل أوانهم، يتعلّمون معنى الفقد قبل أن يتعلّموا معنى الأمان.
أمّا الدولة… فتراقب، وتندّد، وتستنكر، وتُسطّر المحاضر، وتفرض الضرائب. لا تحاول حتى أن تردع المعتدي؛ تُشكّل لجانًا، وتُصدر بيانات، ثم تنام على وسادة الكلمات، كأنّ الحبر قادرٌ على وقف النزيف، وكأنّ البلاغة تعوّض غياب القرار.
أيُّ وطنٍ هذا الذي اعتاد أن يرى أبناءه دروعًا له، ولم يعتد أن يكون لهم درعًا؟
وأيُّ سيادةٍ هذه إذا كان المواطن هو من يدفع ثمنها دمًا؟ وأيُّ عدالةٍ تحفظ صياغة البيان ولا تحفظ دم الإنسان؟

البقاع ليس هامشًا في جغرافيا الوطن، ولا تفصيلًا في مشهدٍ سياسيٍّ مزدحم؛ إنّه قلب لبنان النابض، خزّان صموده، وساحة عزّته. وإذا نزف القلب… فكيف يبقى الجسد حيًّا؟

البقاع لا يطلب المستحيل، ولا يسأل امتيازًا، ولا ينتظر منّةً من أحد. يطلب فقط دولةً تشبه اسمها: دولةً تحمي أبناءها كما يحمي الآباء أبناءهم، وتسهر عليهم كما تسهر الأمهات، وتجعل أمنهم أولويةً لا بندًا مؤجّلًا، وكرامتهم التزامًا لا شعارًا.

سيبقى البقاع يزفّ أبناءه بفخرٍ وعزّة، وسيصنع من الألم كرامةً، ومن الجراح ثباتًا.
لكن العار كلّ العار أن تبقى الدولة تزفّ بياناتها بلا فعل، وأن تكتفي بلغة الإدانة في زمنٍ لا يفهم إلا لغة القوّة والشجاعة والقرار الجريء؛ لغة الدولة التي تعرف أنّ كرامة أبنائها ليست فقرةً في خطاب… بل معنى وجودها.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الكيانات الوطنيةالمستحدثة ؛ صنيعة مصالح الدول المنتصرة

لبنان الجبل  و الدولة لبنان هذا، ما عُرِفَ ككيان سياسي موحد قبل إعلانه في 1 / 9/ 1920 ، ولا كانت له حدوده الجغرافية المعروفة والمتعارف عليها، كما يُضَلِّل من يحاول أن يخترع...

ملاحظات على بحث "بناء الدولة في سورية

يوم الخميس الثالث من أيلول / سبتمبر شهدت المكتبة الوطنية بدمشق ندوة حوارية بعنوان: “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026 ـ...

علي الطاهر بداية التوغل وليس نهاية حرب

لم يأتِ تفجير “علي الطاهر” يتيماً، بل على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت ولا يمكن اختزاله بحادثة أمنية او اعتباره “هزيمة...

"زلزال علي الطاهر"... مسرح نتنياهو الانتخابي وغنائم كاذبه ورسالة المحور كله

مقدمة 1100 طن متفجرات. هزة بقوة 4.2 ريختر. تلة محيت من الخريطة. هذا ما فعلته “إسرائيل” ليلة 10 أيلول 2026 في “علي الطاهر”. نتنياهو أ سماه “إنجاز...

غزة والجنوب اللبناني: جغرافيا واحدة للوجع واختلافات في الحكاية

حين ننظر إلى غزة والجنوب اللبناني على الخريطة، قد لا نجد الكثير مما يجمع بينهما. هنا شريط ساحلي ضيق ومحاصر، وهناك منطقة واسعة من القرى والبلدات والحقول تمتد جنوب لبنان. هنا أكثر...

لندن تصف سياسات نتنياهو بـ "التطهير العرقي"... هل بدأ تفكك التحالف الغربي مع إسرائيل؟

عندما تصدر لندن، عاصمة “وعد بلفور”، حكماً سياسياً وقانونياً على حكومة “إسرائيل” بأنها تمارس “التطهير العرقي” في الضفة، وأنها ترتكب “جرائم...