لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار غزة، لا يبدو تفصيلاً تقنياً فقط، بل كأنه محاولة لفرض واقع جديد على الأرض، واقع قد يطول أكثر مما يُقال.
المشهد، بصراحة، ليس مطمئناً.
في الداخل اللبناني، يتسرّب القلق بهدوء. فالمسألة لا تتعلق فقط بالسيادة، بل بحياة الناس الذين وجدوا أنفسهم خارج قراهم. يتأرجح النازحون من الجنوب بين العودة إلى مناطق مدمّرة، أو البقاء في نزوح مفتوح على احتمالات أصعب، خصوصاً مع الخشية من تصعيد مفاجئ قد يبدّد أي شعور بالأمان.
سياسياً، يبدو الخطاب الرسمي محاولة لاحتواء هذا الهشاش. كلام الرئيس جوزف عون عن الانتقال من وقف إطلاق النار إلى تثبيت اتفاقات أكثر ديمومة، يعكس إدراكاً بأن الهدنة الحالية لا تقوم على أرض صلبة، بل تبقى مرتبطة بما يجري خارج الحدود أكثر مما هي نابعة من الداخل.
إقليمياً، الأنظار اليوم معلّقة على مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. هناك حديث عن اتفاقات أولية وصيغ معقّدة، لكن في المقابل، تعود لغة التصعيد والتهديد. ومع إشارات إلى احتمال تعثّر هذه المفاوضات، أو حتى غياب إيران عن بعض جولاتها، تكبر المخاوف من عودة التوتر، وهو ما ينعكس سريعاً على لبنان.
لبنان هنا ليس بعيداً عن كل ذلك. الخط الأصفر في الجنوب، هشاشة الهدنة، وقلق الناس من العودة… كلها تفاصيل مترابطة ضمن صورة أكبر، حيث لا شيء محسوم فعلاً.
في النهاية، يبقى السؤال: هل نحن أمام استقرار يُبنى ببطء، أم مجرد هدنة قصيرة؟ في لبنان، الإجابات غالباً مؤجلة… لكن المؤكد أن الناس هم من يدفعون الثمن الحقيقي لكل هذا الانتظار
المفتوح على المجهول.


