الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

كارولين ياغي

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق، لكن من الصعب القول إنها انتهت فعلاً. فالمفاوضات التي لا تُفضي إلى نتائج واضحة لا تعني الفشل دائماً، بل قد تكون مجرد فصل من لعبة أطول، تُسيَّر فيها الأوراق ببطء، ويُستثمر فيها عامل الوقت إلى أقصى حد.
لا يبحث الطرفان كما يبدو، عن حسم سريع، بل عن إعادة تشكيل شروط التفاوض نفسها. ثمة ما يُخفيه المشهد، أو ما لم ينضج بعد ليُقال علناً. عراقيل تظهر في العلن، وربما تمييع مقصود خلف الكواليس، في انتظار تبدل موازين أو نضوج تفاهمات غير مكتملة.
تتقاطع السياسة مع الاستعراض العسكري في الميدان. تحركات البحرية الأميركية في مضيق هرمز، تحت عنوان ضبط المرور ومنع فرض رسوم غير قانونية، تحمل أكثر من رسالة، ليس فقط لإيران بل لكل من يراقب خطوط الطاقة والتجارة العالمية. في المقابل، تلوّح طهران بانفتاح مشروط على اتفاق، مشيرة إلى استعدادها للعودة إلى طاولة التفاهم إذا التزمت واشنطن بالقانون الدولي. وبين هذا وذاك، تدخل أطراف إقليمية على الخط، مع تعزيزات عسكرية واتفاقيات دفاعية تعكس استعداداً لسيناريوهات مفتوحة.
في وسط هذا المشهد المعقّد، يقف لبنان في صميم العاصفة لا على أطرافها. يشهد الجنوب تصعيدًا متقطّعًا، يتراوح بين مواجهات ميدانية ورسائل نارية، بينما تتسع رقعة التهديد لتشمل المرافق الحيوية، من المطار إلى البنى التحتية، وكأن البلاد تُساق قسرًا نحو اختبار جديد.
أما في الداخل، تنشط الأجهزة الأمنية في سباقٍ مع القلق. يرفع الجيش وقوى الأمن وسائر الأجهزة مستوى الاستعداد، استنادًا إلى قرارات حكومية ترمي إلى حفظ الاستقرار وتفادي الانزلاق. غير أنّ السؤال الذي يطرح نفسه: هل تكفي التدابير الأمنية وحدها لمواجهة مناخ إقليمي متوتر؟
وفي موازاة ذلك، تنطلق مسارات تفاوضية جديدة، هذه المرة بوجه مباشر، بين لبنان وإسرائيل في واشنطن. توقيت هذه المفاوضات، في الرابع عشر من نيسان، لا يمر مروراً عادياً في الذاكرة اللبنانية. فهو يأتي بعد يوم واحد فقط من ذكرى اندلاع الحرب الأهلية في الثالث عشر من نيسان 1975، ذكرى لا تزال حاضرة في الوعي الجماعي، كجرح لم يلتئم بالكامل.
هل نحن أمام مفارقة تاريخية، أم أمام فرصة لكسر الحلقة؟
أم أن لبنان، المثقل بتجارب الماضي، بات أكثر قدرة على تفادي الانزلاق؟
الإجابة ليست سهلة. فلبنان اليوم ليس كما كان، لكنه أيضاً ليس بمنأى عن تكرار الأخطاء. المنطقة تتغير، لكن قواعد الاشتباك القديمة لم تختفِ تماماً. وما بين حسابات الخارج وهشاشة الداخل، يبقى البلد معلقاً على خيط رفيع.
قد لا تكون الحرب حتمية، لكن القلق مشروع.
وقد لا تكون التسوية قريبة، لكن بابها لم يُقفل.
في هذا الفراغ بين الاحتمالين، يعيش اللبنانيون يومهم، على إيقاع انتظار ما سيقرره الآخرون، أو ما سيفرضه الواقع، في منطقة لم تتوقف يوماً عن إعادة رسم خرائطها على وقع الأزمات.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...