ارتبطت الارقام منذ أقدم العصور بثقافات قبلية و عرقية و احيانا دينية ، بعضها يستند الى حكمة عقلية قابلة للإقتناع ، و اكثرها نتاج اقاويل متوارثة غير مبنية على مسوغ عقلي و لا يقبلها الراجح الحصيف .
و كثيرا ما كانت بعض الارقام مادة دسمة للعرّافين الدجالين ،و خصوصاًعندما يتركون تنفيذ توقعاتهم الواهية الى ارقام مرتبطة باليوم و الشهر و السنة، حتى يتمكنوا من تجنيد الأوهام و الإنتظارات و ربما عوامل الطبيعة ..
و هناك في الرقم ٩٩ قداسة واحدة ، و هي ان الرقم يشير الى عدد أسماء الله الحسنى المتفق عليها و المستنبطة من القرآن الكريم و السٌنّة النبوية المطهّرة ، و غير ذلك يبقى الرقم موضوع ترجمتنا متأرجحا في نصيحة نادرة او تلاعب تجاري، او توصيف حالة نفسية ….. فقد عمل معظم التجار الى تخفيض أثمان بضاعتهم و منها قطعة ثمنها فقط ٩٩ دولار مثلا ليبقى الرقم ثنائيا و ليس ثلاثيا كمن يقول السعر ١٠٠ دولار ، و على الرغم من عدم انطلاء هذا التذاكي ..غير ان اعتماد هذه الصيغة تبقى اداة ترويج محبّبة .
و في بعض الاحتقانات النفسية، و في ذروة التوتر يقول احدهم لقد وصلت معي الحالة الى ال ٩٩ !!يعني الى آخر سلم الإحتمال قبل الإنفجار ،و التصرف الارعن الذي يقود غالبا الى جرائم .
اما اجمل ما قرأت في هذا الرقم ما يحمل من مفاعيل احترازية ،و يحث على الرضى و القبول بأنعم الله سبحانه و تعالى وفق ما قسمه على عباده، فننتقل عبر الزمان الى ولاية لأمير حكيم و لبيب ،كان يهتم بأدق تفاصيل رعيته و احوالهم و تصرفاتهم . و لقد لحظ الامير ان احد مستخدميه دائم السعادة و البشاشة و التسليم و الانضباط و الأمانة ، و كان يعجب لحاله ، فهو على الرغم من انه من الحاشية ،غير ان مداخيله محدودة، فاستشرف ذكاء وحدة بصيرة وزيره و لفت الى حالة الفرح الدائم عند الخادم ، حتى كاد ان يقول احيانا اشعر انه اسعد مني حالا، و اطيب منالا واهنأ مطعما و مناما ..
… ابتسم الوزير الداهية و قال للأمير …” إستعمل معه معادلة الرقم ٩٩..” و إستفسر الحاكم عن مقصد وزيره ، فأجابه : ضع له ليلا امام داره في كيس قماش ٩٩ دينارا من الذهب ،و اكتب على ظاهر الكيس ١٠٠ دينار ذهب ، و آمر احد عيونك ان يراقب ما يحصل من بعيد ، فنزل الامير عند مشورة الوزير و فعل كل ما قاله . ولما سمع الخادم طرقا خفيفا على بابه ،اسرع ليفتج ويجد الكيس ،و لم بجد احدا من الناس فأيقن ان رزقا من السماء هبط عليه ، و قرأ ما كتب و دخل مسرعا و اقفل الباب جيدا ،و بدأ هو و اهل بيته بإفراغ محتوى الكيس و عدّ النقود التي كانت ٩٩ ذهبية ،و الكيس يقول ١٠٠ فأين اختفى الدينار الذهبي ؟ و تمت مراجعة العدد لمرات كثيرة و البحث عند خارج الباب ،لعلّه سقط من يد الواهب من دون ان يدري!! إنقضى الليل و الخادم و اهله في غضب و غصة وكآبة على “المفقود” ، ولم ينم ليلتها احد من اهل الدار، و هم في غيظ و حيرة ..
و في اليوم التالي ذهب الخادم الى عمله في قصر سيده تعبا منهكا عبوسا متخاذلا، لا يقوى على خدمة و لا يأنس لطالبها ، و كان وضعه على معرفة و إنتظار من الامير ووزيره ،اللذان لاحظا التبدّل الكبير بسلوك الخادم ،الذي فاته التنعم ب ٩٩ دينارا من الذهب ،
و أغمّه ضياع واحد فقط. هكذا تبيّنت ثقافة الأرقام و كيف ان العبد يتمتع ب ٩٩ نعمة في عافيته و بدنه و معاشه واهله ..ويرتعد ويغضب إذا غابت عنه نعمة واحدة ، و هذه الحكمة البالغة للقناعة بما اسغب علينا مولانا من نعمائه لنشكر ، و إذا ما ابتلانا بحجب نعمة واحدة يكفر البعض و يجحد .
حكمة الحكاية في الرقم ،رسالة لنا ان نرى ما بأيدبنا و ليس بما عند سوانا ، فالأرزاق مقدّرة و الأعمار وكل شئ احصاه ربّنا ووزعه فيما بيننا بنصاب يليق بكل واحد منا، والخير فيما اختاره الله سبحانه وتعالى …


