الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
29°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة “الموند” الفرنسية في لبنان وبعض الدول العربية.

صار الشاب الوسيم، المتفجر نشاطاً وحيوية، تسعينيّ العمر مثلي. هدأت حيويته الجسدية، ولكن نشاطه الفكري لا يزال طَموحاً وهاجاً وتواقاً إلى الحصول على المزيد من المعرفة والمعلومات، وخصوصاً عما يجري في لبنان، البلد الذي امضى فيه أبهى وأجمل أيام شبابه، وأتقن لغة أهله، وهام بأنواع مطبخه. وفي المقدمة التبولة وصحون “المازه” التي ترافقها والتي لا مثيل لها إلّا حيث انوجد لبنانيون كما قال.

سألني: “ما قصتكم يا رجل تُشغلون أنفسكم والدول بخلافاتكم ثم تتصالحون وتعودون تنشغلون ببناء الازدهار؟؟” أجبته ضاحكاً: “هذا هو اللبناني خُلقاً وطبعاً، و”من شبّ على شيء شاب عليه”.

قال: “لم أفهم؟!” قلت: “لبنان مساحة جغرافية صغيرة معظمها جبال وتلال وأودية وبعض الأرض المنبسطة. وهوعقدة مواصلات مهمة للعبور من أفريقيا إلى آسيا، ثم إلى أوروبا، وقد عاش ويلات الغزو والاحتلال منذ وجوده، فاندمجت جميع انفعالات هذه الحالات في كينونة المواطن اللبناني، وصارت من “جيناته” الوجودية، ولذا هو صيف وشتاء وربيع وخريف يعيش حالات هذه الفصول و”فصولها” في سلوكه ويومياته”.

وأضفت قائلاً: “لقد زودتك بأطروحتي عن لبنان الوطن والشعب، فماذا عندك أنت، كمراقب مطلع، عما يعانيه وطن الأرز الذي تحب وتخاف عليه؟”
تنهد عميقاً قبل أن يقول: “صدقني أني خائف جداً على لبنان وصيغته وتوزع سكانه فيه. إني أعيش هاجس مؤامرة صهيونية عالمية وضع حجر زاويتها الأول، ديفيد ين غوريون، في مطالع خمسينات القرن العشرين، عندما أمر المخابرات الإسرائيلية بالعمل على “تكسير الصيغة اللبنانية” وافتى بتمويل الخطة حتى من موازنة الجيش الإسرائيلي!!”

وأضاف الصحافي الفرنسي العتيق: “أخاف من خطة تُنفد بدهاء لإفراغ جنوب لبنان من سكانه الشيعه، والدفع بهم نحو بيروت ذات الأكثرية السنية حيث يتحولون عبئاً ديموغرافياً واقتصادياً على أهلها الأصليين وساكنيها الدائمين. أهل ريف. منطق مختلف. لباس مختلف. سلوك مختلف. مذهب ديني مختلف. شعائر دينية مختلفة. ولاءات حزبية مختلفة. ناهيك عن “المزاحمة” في سوق العمل خصوصاً بين الفئات العمالية المحدودة الدخل الخ. وهنا تبدأ التباينات بالظهور والتنامي وينشط مَن يستغلها وينفخ في نارها – وهذا ما يحدث راهناً – وبما ان “الشر من شراره”، كما يقول مثلكم، يزيد اشتعال التوتر ويتمدد طولاً وعرضاً، ويسرع “الغيارى” إلى المساندة والنصرة فإذا بيروت “مدينة النور” ملتهبة بنار الفتنة السنية الشيعية..”

وعندما استفظع السفير المضيف هذا السيناريو المدمّر، الذي حرقت تفاصيله مسامعنا، قال الصحافي العتيق والمطلع: “لا تستغربوا ما أقول. لبنان هو البلد العربي الوحيد له حدود مع إسرائيل، وعَبر هذه الحدود يدق الخطر باب وجودها واستقرارها وازدهارها، و”حزب الله” الشيعي الإيراني العقيدة والولاء، هو مصدر هذا الخطر، فلماذا لا تقضي عليه بإبعاده عن حدودها والعمل على جعله عبئاً على لبنانيين لا يشاركونهم المذهب والعقيدة، ومن الممكن تحويل اختلافهم هذا إلى خلاف فصدام يخدم إسرائيل وأمنها ومصالحها”.

وأنهى الرجل حوار الجلسة الطويلة بالقول: “أتمنى أن أكون مخطئاً في حدسي، ولكن حبي لهذا اللبنان الحضاري، الخلّاق، يدفعني إلى التنبه لمكائد الصهيونية العالمية حتى لا يصح فينا قول ايليا أبو ماضي:
وعلمتُ حين العلمُ لا يجدي الفتى
ان التي ضيّعتها كانت معي..

أدهشنا استشهاده بشعر إيليا أبو ماضي وأُعجبنا بسلامة نُطقه الشعري، وازدادت دهشتنا عندما أنهى الحوار بقوله: “ما يؤكد مخاوفي ما رأيته في لبنان، راهناً، من تغيير أماكن إقامة كثير من اللبنانيين بفعل التهجير الذي نُكب به لبنان زمن الحرب الأخيرة فيه وفتنة الجبل التي تلت اغتيال الزعيم الدرزي كمال جنبلاط”. وأضاف: “كل تهجير له رواسب وتداعيات ديموغرافية تتنامى مع الأيام وتغيّر المعالم السكانية من حال إلى حال، فكيف إذا كانت هناك خطة شيطانية وضعتها قوى قادرة على التنفيذ؟”
حمى الله لبنان وأنقذه من معاناته الراهنة، مع الأمل بأن يكون قول السفير الأميركي في لبنان، ميشال عيسى، صحيحاً بأن إسرائيل لا تطمع بشبرٍ من أرض لبنان وستنسحب منه بعد الاتفاق معها؟!

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...