الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
19°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

كيف تعرف الجريمة الخليجية بحق الوطن العربي؟..انظر فقط إلى دونالد ترامب..

ترامب في مأزق..لأن الحرب الإيرانية طالت لشهرين؟..لا..لأنه لا يجد إجابة عسكرية على السؤال الأهم؟..وهو..كيف تحصل أميركا على المخزون النووي الإيراني؟..القوة العسكرية الأميركية الجبّارة أنتجت قنبلة خارقة للتحصينات تُدعى GBU-57 وهي التي تستطيع الوصول لعمق 100 متر تحت سطح الأرض..في يونيو 2025 خرج ترامب متفاخرًا بتلك القنابل التي تملكها أميركا وحدها، وبها استطاعت تدمير المنشآت النووية الإيرانية في فوردو ونطنز بكل ما تحتويه من أجهزة الطرد المركزي..انتصار ساحق وانهيار معنوي للعالم أمام التكنولوجيا الأميركية..لكن سقطت تفصيلة واحدة فقط..أن إيران بدأت تستعد لهكذا سيناريو منذ عام 2020 وشيّدت منشأة نووية لا يُمكن أن تصل إليها قاذفات B2 الشبحية الأميركية..على عمق 200 متر مثلًا؟..لأ..المنشأة الإيرانية تقع على عمق 610 متر في أعماق الجبال ومحاطة بالصخور الجرانيتية القاسية، وفيها نقلت إيران جزء من أجهزة الطرد المركزي، بل وأصبح شائعًا في الأوساط الأميركية أنها تحتفظ بجزء من مخزونها النووي هناك..ما اسم هذا المكان ‘‘ كو كولانج جاز لا‘‘ أو جبل الفأس..وهو المكان التي عجزت التقنية العسكرية الأميركية عن الوصول إليه، ولا تقدر على عملية إنزال بري بالقرب منه، لأنه يبعد فقط 200 ميل عن العاصمة ومحصّن بسلاسل من الدفاعات البرية والجويّة..الجغرافيا الإيرانية عدو ترامب الأزلي..وليس أمام ترامب سوى التفاوض من أجل تطويعها..

مارس ترامب كل الألاعيب الممكّنة..ضربة ساحقة لكل الأهداف العسكرية في إيران؟..ارتدت الضربة في قلب الخليج الذي تكبّد أسوأ خسائره العسكرية على الإطلاق ب 50 مليار دولار في منشآته النفطية، وفي قلب العدو العبري الذي تعرّضت كل مدنه لقصف صاروخي مكثّف بخسائر مفروض عليها رقابة عسكرية رسمية صارمة..التهديد بمحو الحضارة الإيرانية ما لم يتم التوصل لاتفاق؟..ها قد انقضت هدنة الأسبوعين وتجدّدت مرة ثانية، ولم تقدّم إيران تنازلات، ولم تحضر للعاصمة الباكستانية سوى بعد مماطلات وكأنها قوة عظمى وليست قوة شرق أوسطية..تحاصر إيران هرمز فيرد ترامب بحصار إيران بحريًا، ويتعهّد بأن تقوم البحرية الأميركية بإعادة فتح المضيق، وبمجرد هجوم بحرية الحرس على سفينة هندية أغلق مرة أخرى..صفر نجاح أميركي باستثناء ضربات من الجو..أتعرف ما هي خطيئة ترامب الكبري في حق أميركا نفسها؟..أنه أتاح لإيران المُحاصرة منذ أربعين سنة فرصة تحدي الإرادة الأميركية..قوة الردع المتخيّلة هي سلاح الإمبراطوريات الأكثر فتكًا..لماذا تنفّذ الشعوب والدول الإرادة الأميركية من تلقاء نفسها؟..ليس لأنها ذاقت مرارة الترسانة العسكرية..بل لأنها إن خالفت الأوامر فسوف تتعرض لضربة ساحقة..الخوف من احتمالية استخدام القوة وحده هو ما يدفع الكل للانصياع للشروط الأميركية..لكن ترامب ارتكب الخطيئة الأكبر حين قصف إيران..ماذا تقصد؟..

سقط الاتحاد السوفياتي وانتصرت أميركا..خبر مؤسف..تحتاج أميركا لعدو جديد بعد انهيار الشيوعية؟..من؟..من؟..الإسلام..الصين..البلاد التي تحتوي آبار نفط..والقوة الاقتصادية العالمية الجديدة..لم تكن أميركا تافهة كما هو حالها مع ترامب..لا..جحافل من المنظرين ذوي السمعة الأكاديمية..فرانسيس فوكوياما سوف ينتج كتابه الأشهر ‘‘نهاية التاريخ والإنسان الأخير‘‘..وبروفيسور هارفارد صمويل.بي.هنتجنتون سيؤلف الكتاب الأهم في النصف قرن الأخير ‘‘ صدام الحضارات‘‘..زاد تنظيري شديد الفتك يُعيد هيكلة الصراع العالمي من شيوعية/رأسمالية لسبع حضارات متنافسة، ويُشدد على خطر الشعور الجمعي الإسلامي والصعود القومي الصيني، وحتمية انتصار الإنسان الأبيض في المعركة القادمة..تنظير وجد رجالاته المنفذين في صقور مخضرمين، بوش الإبن ودونالد رامسيفيلد وديك تشيني وكوندوليزا رايس..وكلهم يحتكمون على الترسانة العسكرية الأكثر فتكًا في تاريخ الإنسانية..شر أميركي مهيب..شر تخشاه بالفعل لأن مدرائه أساطين في الأكاديميا والعسكرية ولديهم أهداف واضحة في إعادة صنع النظام العالمي، ولذلك حين دارت الآلة الحربية الأميركية..خاف الكل..الحليف والصديق والعدو..تتذكّر القذافي على سبيل المثال؟..

أمضى العقيد الليبي عمره كله في استهداف المصالح الأميركية ومحاولة تحديها في غزو تشاد ولوكيربي ودعم منظمة التحرير ثم التورط في وحل بيروت وألف علامة أخرى..بمجرد أن رأى الحشود الأميركية في العراق، قام بتسليم برنامجه النووي بالكامل للمفتشين الدوليين وأعاد العلاقات مع أميركا وبريطانيا، استسلام فوري..وليس وحده..حين قبل حسني مبارك إجراء انتخابات رئاسية وفتح هامش الحياة السياسية، كان قراره مدفوعًا بالخوف العارم من إملاءات الإدارة الأميركية بإصلاح ثلاثية التعليم-الدين-السياسة..في ثوان وافق على ما كانت القاهرة ترفضه في كامل تاريخ جمهورية الضباط التي تأسست في يوليو 1952..هذه هي النماذج البسيطة فحسب..العالم الأول نفسه خاف..جرت بريطانيا وبولندا والدنمارك وإسبانيا والمجر في ركاب أميركا..يرسلون قوات ويفقدون جنود ويتحمّل بعضهم ضربات انتقامية من تنظيم القا*دة في محطات المترو لأجل عيون بوش..وحين رفضت فرنسا المشاركة في حرب العراق وقاد جاك شيراك الجهد الدولي لإيقافها..خرج منظر درجة ثالثة في اليمين الأميركي وهو توماس فريدمان بمقاله الأشهر في نيويورك تايمز Our War with France..ومن بعده خرج المتظاهرون الأميركيون لضرب المحال الفرنسية بالحجارة وسكب النبيذ الفرنسي في قنوات المجاري..فعاد شيراك متوسلًا بعد عامين لبوش الإبن من أجل الحصول على عقود إعادة إعمار العراق..كانت أميركا الباطشة التي أرعبت الكل..

ترامب هو الشر الأميركي التافه..لا أحد يٌُقيم له وزنًا..أول مرة في التاريخ تتخلّى بريطانيا عن أميركا كانت في عهده..كل الدول الأوروبية الشركاء في الناتو بصقوا على وجهه، ولم يرسلوا عسكري واحد..إسبانيا وإيطاليا رفضتا استخدام قواعدهما لضرب إيران..اليابان لم ترسل بارجة حربية لمعاونة ترامب على فتح مضيق هرمز..وبعد أن كنا نشاهد فوكوياما وهنتجنتون وفريدمان ورامسفيلد وتشيني، أصبح رموز الشر الأميركي حفنة من الصيّع يدقون صليب على كامل جسدهم ويستحضرون عبارات من فيلم سينمائي باعتبارها نصوصًا من الإنجيل مثل وزير الحرب هيجسيث..وبعد أن كانت كلمة Mission Accomplished مهيبة حين ينطقها جورج بوش الإبن على متن حاملة الطائرات إبراهام لينكولن، ونعرف بعدها أن أميركا أسقطت النظام العراقي..بات العالم كله يسخر من أحاديث ترامب عن تدمير القوة العسكرية الإيرانية، ويخرج مصطلح Taco كاختصار لعبارة ” ترامب دائمًا يجبُن‘‘..شر تافه على كل مستوياته التنظيرية والسياسية والعسكرية..لدرجة أن الصديق خذل، والحليف ترك، والعدو جرؤ..إيران التي لا تتجاوز ميزانيتها الدفاعية السنوية بالكامل، ثلاثة أيام فقط من الإنفاق الدفاعي العسكري الأميركي..تجرأت ومرّغت سمعة أميركا في الأرض..جعلتها أمام العالم كله شريكًا سياسيًا غير موثوق، وقوة عسكرية لا يُمكنها الحسم..وهنا الخطيئة الترامبية العظمى..فقدان قوة الردع المتخيّل..وتردّي قوة الردع الفعلي..

من الوحيد الذي خضع للتفاهة الترامبية؟..العرب وبالأخص عرب الخليج..أوروبا دافعت عن مصالحها ورفضت اتفاق السلام المهين الذي حاول ترامب إملائه على أوكرانيا..رفضت تسليم جزيرة جرينلاند..وحين أتى وقت الرد، تركت ترامب كالجرذ اللقيط في حربه الإيرانية..العرب..لأ…ترامب في حرب القطاع؟..يجرون إليه قطيعًا، يسلمون الأرض لأميركا، ويقيمون له موائد وولائم..ثم يفتحون أراضيهم للقواعد العسكرية، ويدفعون من جيوبهم تريليونات الدولارات..فشل ترامب في كل ملف جاد في العالم..في الضغط على أوروبا وفي حصار الصين تجاريًا، وفي لي ذراع الهند في مسألة النفط الروسي..لم ينجح سوى في جمهورية موز لاتينية ونجاحه الساحق عند عرب الخليج..شيء مقزز لأي نفس سويّة أن تحتكم دول على تريليونات في صناديق الثروة السيادية وعشرات التلريليونات في باطن الأرض من الوفرة النفطية، ولم تُقم بأي فعل حضاري جاد..في العلم والثقافة، الابتكار والتصنيع..وفي النهاية تستعين بالأميركي، فيتم ضربه على أرضها ويتم قصفها هي الأخرى، ولا تجرؤ حتى على الرد..فقط مختبئين خلف الستار يحرضون أميركا على إفناء إيران..ودائمًا في كل القرارات السياسية هناك سؤال هام عن..تكلفة الفرصة البديلة..ماذا لو تصرّف عرب الخليج كالرجال، وضخوا جزء من ثرواتهم المصروفة على السيارات والسهر في خمارات أوروبا في بنية علمية وصناعية وعسكرية؟..ماذا لو صنعوا جيشًا موجدًا من سكانهم المقتربين من أربعين مليونًا؟..ماذا لو استثمروا في منظومة دفاع عربية موحّدة، بدلًا من احتضان الأميركي؟..ماذا لو؟..

وتخيّل؟..يخرج الأفّاكون في الخليج كعادتهم ينظمون قصائد النصر وأغاني الهجاء بحق إيران..هذا فعلًا هو أقصى استطاعتهم..الأغاني والخُطب..ثم القمص كالأطفال..فتحجب السعودية المساعدة العسكرية عن السودان..تخبط وسياسات شخصية مبنية على الحقد القبلي وفقط..لا تخطيط ولا رؤية ولا هدف يتجاوز إرضاء زعامات تسعى لتعظيم نفوذ أسر متصارعة على تلال النفط وعوائد البذخ والسفه والاستعراض..كيف امتلكت مجموعة بشرية واحدة هذا الكم الهائل من الجُبن؟..لا أحد..لا أحد حرفيًا سوى عرب الخليج..والجبن ممن؟..من رئيس أميركي تخلّى حتى عنه أصدقاؤه المنتمين إليه دينيًا وأيدلوجيًا، فنصره عرب الخليج على إخوتهم..وليتهم استطاعوا، بعد كل ذلك، فعل شيء في مواجهة إيران، سوى التعرض لقصف شديد أنزل بهم خسائر فادحة..الحقيقة المؤلمة..أن هذا الشر الأميركي التافه ما يزال يمتلك سلاحين عملاقين..القوة التكنولوجية الابتكارية الهائلة في سيلكون فالي..وأموال نفط الخليج..

هل تعرف بحق لماذا تميل أفئدة العرب لإيران؟..لأنها وسط كل هذا الكم من تفاهة الشر الأميركي، والجبن الخليجي..ما تزال تُقدّم قيمة واحدة لشعوب العرب المغلوبة على أمرها..الاستقلال الوطني..أن تكون قادرًا من قلب أشد العقوبات على تخليق كفاءات علمية فذّة، وتطوير علوم تطبيقية في الفيزياء والهندسة، فتنتج منظومات صواريخ ومخزون نووي على حافة تصنيع القنبلة الذرية..وأن تكون قادرًا بعد ذلك كله على مقارعة الإمبراطورية الأميركية وقصف حاملات طائراتها، ومنازلة الكيان ودكّ قلاعه العسكرية، ومعاقبة المتواطئين في الخليج وصبّ كامل الغضب على قواعد عمالتهم وآبار نفطهم..الدفاع عن القيمة في عالم تسوده روح الانحطاط والخوف حد التنازل والتسليم وبيع الأرض والشرف..ومن هنا المقت الشديد للجريمة الخليجية..جريمة أن كان بإمكانك، ولم تفعل..فانتهى بك المطاف جروًا مطيًعا لسيدٍ لم يعد يخيف أحدًا سواك..يخيفك بمالك..ويتجبّر عليك بنفطك..ويقصف إخوتك من أرضك..لا ننسى البطولة مرة، ولا ننسى الجبن ألف ألف مرة !

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...

إيلي أبي عكر: ضمير حي في مواجهة التعسف الحزبي

في قلب لبنان الممزق بين الانقسامات والصراعات الطائفية والسياسية، يظهر أحيانًا من يذكّرنا بأن الإنسانية ليست مجرد كلمة، بل فعل وقرار وشجاعة. إيلي أبي عكر، الشاب من جبيل، هو أحد...

إيران توطد تحالفاتها : مصلحة لا عاطفة

نؤرخ و لا نعبئ شعبويًا . لن  ينجح الاستسلاميون – و بينهم متصهينيون وقحون منافقون –   اليوم بما عجزعن تحقيقه المطرانان عريضة ومبارك وإميل إدة   من سنة 1937  حتى 1948 ، ...