الأربعاء، 29 يوليو 2026
بيروت
32°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

من غرينلاند إلى لبنان... أوهام الضمّ… وحقائق النفوذ

كلُّ ما يُرفَضُ اليوم، قد يُصبِحُ مقبولًا غدًا… هذه العبارة تختصر الكثير من منطق السياسة الدوليّة، حيث لا تُقاسُ الأفكارُ بصدقيّتها الأخلاقيّة بقدر ما تُقاسُ بميزان القوّة والمصلحة. ومن هذا المنطلق، طُرِحَ في السنوات الأخيرة سؤالٌ بدا صادمًا للبعض: لماذا أصرّ الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب على فكرة ضمّ غرينلاند إلى الولايات المتحدة؟ وهل يمكن، يومًا ما، أن يُطرَح سيناريو مشابه بحقّ لبنان؟

إنّ الإصرار الأميركي على غرينلاند لم يكن نزوةً إعلاميّة ولا مجرّد تصريحٍ شعبويّ، بل تعبيرًا فاضحًا عن تفكيرٍ استراتيجيّ يقوم على ثلاثة عناصر أساسيّة: الموقع، والثروة، والأمن القومي. فغرينلاند تقع في قلب القطب الشمالي، حيث الممرّات البحريّة المستقبليّة، وتجاور مساحات النفوذ الروسي والصيني. كما تختزن في باطنها معادن نادرة واحتياطات طاقة تُعدّ من أثمن ثروات القرن المقبل. أمّا أمنيًّا، فالولايات المتحدة موجودة عسكريًّا هناك منذ عقود، ما جعل فكرة “الشراء” في ذهن ترامب امتدادًا لمنطق السيطرة لا اختراقًا له.

لكنّ الخطأ القاتل يكمن في إسقاط هذا النموذج على لبنان. وهنا يصبح واجبًا قول الحقيقة بلا مواربة: ضمّ لبنان إلى الولايات المتحدة غير ممكن، لا قانونيًا ولا سياسيًا ولا واقعيًا. فلبنان دولة ذات سيادة، عضو كامل في الأمم المتحدة، له دستور وحدود معترف بها دوليًا، وليس إقليمًا تابعًا أو كيانًا ذا حكمٍ ذاتيّ يمكن التفاوض على مصيره. كما أنّ كلفة ضمّ دولة مأهولة، متعدّدة الطوائف، ومأزومة سياسيًا واقتصاديًا، تفوق أي منفعة محتملة، حتّى على أعظم الإمبراطوريات.

أما ما يُثار حول الثروة النفطيّة والغازيّة في البحر اللبناني، وربما في البرّ لاحقًا، فلا يشكّل مبرّرًا لأي سيناريو ضمّ. فالدول الكبرى لا تحتاج إلى رفع أعلامها فوق الأراضي كي تستفيد من خيراتها. يكفيها أن تُمسك بالقرار السياسي، وأن تُحكِم قبضتها عبر العقود، والضغوط، وشبكات النفوذ، وتوازنات الداخل. السيطرة الحديثة لا تمرّ بالدبّابة، بل بالاتفاقيّة، ولا تُعلَن بالاحتلال، بل تُمارَس بالإدارة غير المباشرة.

وهنا تحديدًا يكمن الخطر الحقيقي على لبنان. الخطر ليس أن يُضمّ رسميًا إلى دولة أخرى، بل أن يتحوّل إلى ساحةٍ مفتوحة تُدار من الخارج، وأن تُستنزَف ثرواته باسم الشراكات، وتُكبَّل سيادته باسم الاستقرار، فيما يبقى شكليًا دولة مستقلّة، بعلمٍ مرفوع ونشيدٍ وطنيّ، لكن بلا قرار.

إنّ السؤال الصحيح ليس: هل يمكن ضمّ لبنان؟
بل: هل يستطيع لبنان حماية قراره وثروته قبل أن يُفرَض عليه واقعٌ لا يحتاج إلى ضمّ؟

في عالم المصالح، لا شيء مستحيل نظريًا، لكنّ الأوطان لا تسقط دائمًا بالاحتلال… أحيانًا تسقط حين تعجز عن الدفاع عن نفسها من الداخل…

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

لقاء الثلاثاء… هل يناقش الشرق الأوسط أم مستقبل الرجلين؟

على الرغم من أن جدول أعمال اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو يتضمن رسمياً ملفات إيران وغزة وسورية ولبنان ، إلا...

نظرة في ملف "محمود أحمدي نجاد"

أثارت تقارير صحفية، واستخباراتية إسرائيلية الكثير من اللغط حول الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، وعن تجنيده لصالح الموساد الإسرائيلي أو محاولة تجنيده على اختلاف الروايات....

بداية الإصلاح... رؤية السقطات

في كل أزمة يمر بها وطن، وفي كل نكبة تصيب شعباً، يبرز سؤال واحد: من أين نبدأ الإصلاح؟ والجواب بسيط وعميق في آنٍ معاً: بدايةُ الإصلاحِ رؤيةُ السقطاتِ والأخطاءِ والثغراتِ، ثم...

لماذا لا تضرب إيران "إسرائيل"؟

أيا ما كان مصير مساعى الوسطاء فى باكستان وفى قطر ، فإن العودة للتفاوص الأمريكى الإيرانى ، لن تؤدى غالبا إلى وقف الحرب الجديدة الجارية على جبهة إيران ، ولا إلى تقليص ما جرى ويجرى...

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...