الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
20°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

من غرينلاند إلى لبنان... أوهام الضمّ… وحقائق النفوذ

كلُّ ما يُرفَضُ اليوم، قد يُصبِحُ مقبولًا غدًا… هذه العبارة تختصر الكثير من منطق السياسة الدوليّة، حيث لا تُقاسُ الأفكارُ بصدقيّتها الأخلاقيّة بقدر ما تُقاسُ بميزان القوّة والمصلحة. ومن هذا المنطلق، طُرِحَ في السنوات الأخيرة سؤالٌ بدا صادمًا للبعض: لماذا أصرّ الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب على فكرة ضمّ غرينلاند إلى الولايات المتحدة؟ وهل يمكن، يومًا ما، أن يُطرَح سيناريو مشابه بحقّ لبنان؟

إنّ الإصرار الأميركي على غرينلاند لم يكن نزوةً إعلاميّة ولا مجرّد تصريحٍ شعبويّ، بل تعبيرًا فاضحًا عن تفكيرٍ استراتيجيّ يقوم على ثلاثة عناصر أساسيّة: الموقع، والثروة، والأمن القومي. فغرينلاند تقع في قلب القطب الشمالي، حيث الممرّات البحريّة المستقبليّة، وتجاور مساحات النفوذ الروسي والصيني. كما تختزن في باطنها معادن نادرة واحتياطات طاقة تُعدّ من أثمن ثروات القرن المقبل. أمّا أمنيًّا، فالولايات المتحدة موجودة عسكريًّا هناك منذ عقود، ما جعل فكرة “الشراء” في ذهن ترامب امتدادًا لمنطق السيطرة لا اختراقًا له.

لكنّ الخطأ القاتل يكمن في إسقاط هذا النموذج على لبنان. وهنا يصبح واجبًا قول الحقيقة بلا مواربة: ضمّ لبنان إلى الولايات المتحدة غير ممكن، لا قانونيًا ولا سياسيًا ولا واقعيًا. فلبنان دولة ذات سيادة، عضو كامل في الأمم المتحدة، له دستور وحدود معترف بها دوليًا، وليس إقليمًا تابعًا أو كيانًا ذا حكمٍ ذاتيّ يمكن التفاوض على مصيره. كما أنّ كلفة ضمّ دولة مأهولة، متعدّدة الطوائف، ومأزومة سياسيًا واقتصاديًا، تفوق أي منفعة محتملة، حتّى على أعظم الإمبراطوريات.

أما ما يُثار حول الثروة النفطيّة والغازيّة في البحر اللبناني، وربما في البرّ لاحقًا، فلا يشكّل مبرّرًا لأي سيناريو ضمّ. فالدول الكبرى لا تحتاج إلى رفع أعلامها فوق الأراضي كي تستفيد من خيراتها. يكفيها أن تُمسك بالقرار السياسي، وأن تُحكِم قبضتها عبر العقود، والضغوط، وشبكات النفوذ، وتوازنات الداخل. السيطرة الحديثة لا تمرّ بالدبّابة، بل بالاتفاقيّة، ولا تُعلَن بالاحتلال، بل تُمارَس بالإدارة غير المباشرة.

وهنا تحديدًا يكمن الخطر الحقيقي على لبنان. الخطر ليس أن يُضمّ رسميًا إلى دولة أخرى، بل أن يتحوّل إلى ساحةٍ مفتوحة تُدار من الخارج، وأن تُستنزَف ثرواته باسم الشراكات، وتُكبَّل سيادته باسم الاستقرار، فيما يبقى شكليًا دولة مستقلّة، بعلمٍ مرفوع ونشيدٍ وطنيّ، لكن بلا قرار.

إنّ السؤال الصحيح ليس: هل يمكن ضمّ لبنان؟
بل: هل يستطيع لبنان حماية قراره وثروته قبل أن يُفرَض عليه واقعٌ لا يحتاج إلى ضمّ؟

في عالم المصالح، لا شيء مستحيل نظريًا، لكنّ الأوطان لا تسقط دائمًا بالاحتلال… أحيانًا تسقط حين تعجز عن الدفاع عن نفسها من الداخل…

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

كيف تعرف الجريمة الخليجية بحق الوطن العربي؟..انظر فقط إلى دونالد ترامب..

ترامب في مأزق..لأن الحرب الإيرانية طالت لشهرين؟..لا..لأنه لا يجد إجابة عسكرية على السؤال الأهم؟..وهو..كيف تحصل أميركا على المخزون النووي الإيراني؟..القوة العسكرية الأميركية...

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...