الخميس، 16 يوليو 2026
بيروت
28°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الضاحية تعود... والشهداء يسبقون أهلها إلى البيوت

منذ الساعات الأولى لإعلان وقف العدوان الصهيوني، الذي لم تتوقف اعتداءاته تمامًا وإن تراجعت حدّتها، بدأت الطرق المؤدية إلى الضاحية الجنوبية تستعيد ازدحامها. سياراتٌ محمّلة بحقائب النزوح، وأثاثٍ خفيف، وألعاب أطفال، وأملٍ ثقيل ينتظر ما خلف الأبواب. عاد الناس، وكلُّ واحدٍ منهم يحمل سؤالًا واحدًا: ماذا بقي من البيت؟
في مدخل حيّ السلم، لا يحتاج الزائر إلى كثيرٍ من الوقت ليدرك أن الضاحية خرجت من الحرب مثقلةً بأسماء أبنائها. على صدور كثيرٍ من المارة دبوسٌ صغير يحمل صورة شهيد. صورةٌ لا يتجاوز حجمها بضعة سنتيمترات، لكنها تختصر عمرًا كاملًا. أبٌ يحمل صورة ابنه، وزوجةٌ تحتفظ بصورة زوجها، وطفلٌ يعلّق صورة والده على قميصه، كأن الغائب قرر أن يعود معهم بهذه الطريقة. وعلى الجدران، وواجهات الأبنية، وأعمدة الكهرباء، تتكرر الوجوه ذاتها، حتى تبدو الشوارع وكأنها تحفظ أسماء أصحابها قبل أن تحفظ أسماءها.
كان كلُّ بيتٍ في الضاحية ينتظر أصحابه بطريقته الخاصة.
زينب وصلت إلى منزلها يتقدمها أطفالها. لم يحملوا حقائب كثيرة، بل حملوا صورة والدهم الذي ارتقى في غارةٍ صهيونية استهدفت سيارته خلال العدوان. عبروا عتبة المنزل، فيما بقي الأب حاضرًا في الإطار الصغير الذي ضمّه أبناؤه إلى صدورهم، وكأن الصورة كانت اليد التي أمسكت بالعائلة في لحظة العودة.
غير بعيدٍ عنها، كانت أم أحمد تقف أمام مساحةٍ من الركام. حاولت أن تحدد مكان الباب، وأن تتذكر أين كانت النافذة، وأين كانت الغرفة التي جمعت أبناءها سنواتٍ طويلة، لكن القصف لم يترك حجرًا واحدًا يدل على البيت.
وفي شارعٍ آخر، كان جواد ينقل ما استطاع حمله إلى منزله. لم يكن عائدًا مع زوجته وأولاده فحسب، بل مع والده، وشقيقه وعائلته، وثلاثةٍ من إخوته مع عائلاتهم. ستُّ عائلاتٍ اجتمعت تحت سقفٍ واحد بعدما فرقتها الحرب. ضاقت الغرف، وتقاسمت العائلات كلَّ شيء، إلا الأمل، فقد بقي واسعًا بما يكفي للجميع.
أما بلال، فلم يجد بابًا يفتحه. جلس فوق أنقاض منزله، يحدق في الركام بصمت. هنا كانت أسرته، وهنا انتهت حياتهم جميعًا تحت القصف. بقي وحده، يحرس ذاكرة بيتٍ لم يعد موجودًا، وعائلةٍ لم يبقَ منها إلا ما يسكن القلب.
وبين بيتٍ وآخر، كانت كلمات الناس تكشف ما عجزت الجدران عن قوله.
وقف حسن جابر يتفقد منزله، ثم قال: “قدّ ما أجرم العدو، ما رح نستسلم، ولا رح نسلّم سلاحنا، ولو راحت كل البيوت”. وسكت قليلًا قبل أن يضيف: “بس العتب مش عالصهيوني… العتب عَ دولتنا”.
ولم تكن نوال موسى تملك كلامًا كثيرًا. نظرت إلى ما حولها، ثم قالت بصوتٍ أنهكه النزوح: “والله تعبنا… حرام يصير فينا هيك”.
أما علي حمادة، فكان يحمل حكاية خسارةٍ امتدت بين الجنوب والضاحية. قال وهو يشير إلى آثار الدمار: “راح بيتي بالجنوب، وراح بيتي بالضاحية، وتضرر بيتي بحيّ السلم. فدا أجر المقاومة… البيوت إذا راحت منقدر نعمّرها، بس إذا، لا سمح الله، راحت كرامتنا… كيف منعوضها؟”.
في الضاحية الجنوبية، كانت العودة تحمل وجوهًا كثيرة؛ وجوهًا تبتسم لأنها وجدت بيتها، ووجوهًا تبحث عن بيتٍ لم يعد موجودًا، ووجوهًا تحمل صور الشهداء على صدورها، كأنها تصرّ على أن الغائبين عادوا مع أهلهم. كان المشهد يقول إن البيوت قد تُهدم، لكن الذاكرة لا تُقصف، وإن الإنسان قد يعود إلى منزله مثقلًا بالخسارة، لكنه يحمل في داخله قدرةً عجيبة على البدء من جديد.
وهكذا بدأت الحياة تستعيد أنفاسها بين الركام والأبواب المفتوحة. بطيئةً، مثقلةً بالأحزان والفقد، لكنها ثابتة الخطى، لأن الذين عادوا لم يعودوا بحثًا عن جدرانٍ فقط، بل عادوا ليؤكدوا أن الأرض التي ارتوت بدماء الشهداء لا تعرف الفراغ، وأن الشهداء كانوا أول العائدين إلى بيوتهم، يحملهم أهلهم في الصور، وتحملهم الأزقة في الذاكرة، وتحفظهم الضاحية في قلبها، حتى صار حضورهم أكبر من الغياب، وصاروا يسبقون أهلها إلى البيوت.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

تحت التجربة: كرامة منتهكة

المخزي في مسألة المناطق التجريبية هي الفكرة بحد ذاتها، هو المبدأ بحد ذاته. ان نخضع للتجربة على يد من يحتل أرضنا ويقتل البشر والشجر والحجر فيها. بعني ان نسمح بملء إرادتنا...

لماذا اعاد ترامب عدوانه على ايران ؟

لأن دونالد ترامب شعر ان مذكرة التفاهم مع ايران ، اعطت انتصاراً استراتيجياً لطهران ، فقرر متأخراً ان ينقلب عليها ، واعاد العدوان وبشكل اوسع وأكثر تدميراً على كل شىء في ايران ....

شارك الخبر

شارك الخبر

من يشتري دمشق؟

لا أحد يدخل إلى سورية اليوم حباً بالسوريين .. هذه أول حقيقة يجب أن تُقال بلا مكياج سياسي .. في الغرف المغلقة لا أحد يتحدث عن “إعمار وطن” .. بل عن: خرائط نفوذ .. ممرات طاقة .....

الذكرى الحادية والثلاثون للإبادة الجماعية في سريبرينيتسا... جرح نازف إلى غزة

تمر الذكرى الحادية والثلاثون للإبادة الجماعية في سريبرينيتسا وما زالت الإنسانية تقف أمام واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها القرن العشرون حيث قُتل آلاف المدنيين الأبرياء أمام أنظار...