يبدو أن ما جرى في بيروت مؤخرا. ليس قراراً قضائياً بقدر ما هو فصل جديد من فصول العبث السياسي الذي يلبس لبوس العدالة !؟الإفراج عن هنيبعل معمر القذافي بكفالة مالية خيالية بلغت 11 مليون دولار، مع منعه من السفر، يطرح أسئلة موجعة حول جدوى العدالة ،حين تُسخّر لخدمة التوازنات الطائفية والصفقات الإقليمية لا لحماية الحقيقة.
القضية في جوهرها تتصل باختفاء الإمام موسى الصدر عام 1978، وهي جريمة سياسية كبرى جرت على الأراضي الليبية، وكان هنيبعل آنذاك طفلاً في الثالثة من عمره. وعلى الرغم من ذلك، وجد نفسه بعد أكثر من أربعة عقود متهماً في قضية لم يكن له فيها لا يد ولا وعي، بل واعتُقل في لبنان بظروف غامضة بعد استدراجه من سورية ، ليُحتجز لسنوات طويلة من دون محاكمة عادلة.
إن الإصرار على إبقاء هذا الملف مفتوحاً بهذه الطريقة، لا يخدم العدالة ولا قضية الإمام الصدر، بل يسيء إليها، لأنه يحولها إلى أداة ابتزاز سياسي ومالي، ويحوّل القضاء اللبناني إلى ساحة مساومات، بدل أن يكون منبراً للحقيقة.
المفارقة أن الكفالة التي فُرضت على هنيبعل القذافي تعادل ميزانيات دول صغيرة، ما يجعل العدالة وكأنها تُشترى بالنقود. أما منعه من السفر فليس إلا استمراراً لاحتجازه بوسائل ملتوية، تعكس أزمة ثقة عميقة بين القضاء والسياسة في لبنان.
إن هذه القضية تكشف انهيار مفهوم العدالة في بلد فقد استقلال مؤسساته، حيث تتحكم القوى السياسية والطائفية بمسار القضايا الكبرى. وبينما يظل مصير الإمام موسى الصدر لغزاً غامضاً، يبقى هنيبعل القذافي شاهداً حياً على عدالة ضائعة تُدار بالأهواء لا بالقانون .


