يشهد العراق اليوم مرحلة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، تتجاوز الخلافات التقليدية حول المناصب وتقاسم السلطة داخل القوى الشيعية، لتصل إلى صراع أعمق يتعلق بمستقبل الدولة نفسها. فالمشهد الحالي يعكس مواجهة بين مشروع يسعى إلى بناء دولة مركزية تحتكر السلاح والقرار الأمني، وبين واقع فرضته الفصائل المسلحة التي امتلكت نفوذاً واسعاً داخل مؤسسات الدولة خلال السنوات الماضية.
وتُطرح حكومة علي الزيدي بوصفها جزءاً من مشروع سياسي جديد، مدعوم إقليمياً ودولياً، يهدف إلى تقليص نفوذ الفصائل المسلحة وإعادة ضبط التوازن داخل الدولة العراقية. فواشنطن، بحسب مراقبين، لم تعد تنظر إلى العراق كساحة يمكن إدارة أزماتها عبر التسويات المؤقتة، بل باتت ترى أن استمرار وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة يشكل تهديداً للاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة العالمي، خاصة بعد تصاعد الهجمات التي استهدفت منشآت حيوية في المنطقة.
هذا التحول في الموقف الأميركي ترافق مع انقسام واضح داخل البيت الشيعي نفسه. فهناك تيار يرى أن التفاهم مع الولايات المتحدة وتخفيف نفوذ الفصائل أصبح ضرورة لحماية النظام السياسي ومنع انهياره اقتصادياً وأمنياً، بينما تعتبر قوى أخرى أن أي استجابة للضغوط الأميركية تمثل استهدافاً مباشراً لما تسميه “محور المقاومة” ونفوذه في العراق.
وفي هذا السياق، برزت دعوات لإعادة هيكلة المنظومة الأمنية وحصر السلاح بيد الدولة، عبر تقوية المؤسسات الرسمية وتقليص نفوذ القوى المسلحة داخل الأجهزة الأمنية والاقتصادية. لكن تنفيذ هذه الخطوات يواجه تحديات كبيرة، لأن الفصائل لم تعد مجرد تشكيلات عسكرية، بل أصبحت تمتلك امتدادات سياسية واقتصادية وشعبية تجعل من الصعب تفكيكها أو إنهاء نفوذها بشكل سريع.
أما إيران، فتتعامل مع التطورات العراقية بقدر من البراغماتية، إذ تدرك أن المزاج الشعبي العراقي بات أكثر حساسية تجاه النفوذ الخارجي والسلاح المنفلت، لذلك قد تتجه إلى الحفاظ على نفوذها عبر تسويات سياسية تقلل من حدة المواجهة مع واشنطن، دون التخلي الكامل عن حلفائها.
وبناءً على ذلك، يبدو العراق أمام ثلاثة احتمالات رئيسية: نجاح الحكومة في احتواء الفصائل تدريجياً وفرض سلطة الدولة، أو انفجار الصراع الداخلي إذا شعرت الفصائل بأنها مستهدفة وجودياً، أو الوصول إلى تسوية وسطية تُبقي التوازن قائماً بين الدولة والفصائل المسلحة.
في النهاية، فإن ما يجري اليوم لا يتعلق فقط بتشكيل حكومة جديدة، بل بمستقبل شكل الدولة العراقية وحدود السلطة فيها، وهل ستنجح بغداد في التحول إلى دولة مؤسسات كاملة السيادة، أم ستبقى عالقة بين نفوذ الدولة وقوة السلاح الموازي.


