السبت، 7 مارس 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

بوتين هدد زيلينسكي امام ترامب :تزوجني وإلا قتلتك !!

الدبلوماسية الأوكرانية تكشف كم أن ترامب ليس أمريكياً!

أحاول حقاً أن أكون منصفاً في تحليلي للدراما التي تتكشف منذ أسابيع، بين ترامب وبوتين وزيلينسكي وأوروبا. أحاول الموازنة بين رغبة الرئيس ترامب الجديرة بالثناء في إنهاء الحرب الدموية في أوكرانيا، وبين الطريقة الشخصية الارتجالية، بل الهزلية أحياناً، التي يتبعها في ذلك — بما في ذلك الجهد الهائل الذي يضطر الجميع لبذله من أجل إرضاء غروره وتجنب غضبه ،قبل أن يصلوا إلى التسويات الجحيمية اللازمة لصنع السلام.

حتى الآن، يترك كل ذلك في نفسي شعوراً عميقاً بعدم الارتياح.

لقد غطيت الكثير من المفاوضات الدبلوماسية منذ أن أصبحت صحافياً عام 1978، لكنني لم أرَ من قبل مشهداً يكون فيه أحد القادة — في هذه الحالة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي — مضطراً لشكر رئيسنا نحو 15 مرة في غضون أربع دقائق ونصف ،من حديثه أمام الصحافة. ناهيك عن المديح الذي شعر حلفاؤنا الأوروبيون أيضاً بأن عليهم أن يغدقوه عليه.

عندما يضطر حلفاؤنا لبذل كل هذا الجهد فقط للحفاظ على السلام مع رئيسنا، قبل أن يبدأوا حتى بمحاولة صنع السلام مع فلاديمير بوتين؛ وعندما يضطرون باستمرار للنظر خلفهم خشية أن يطعنهم ترامب في الظهر بتغريدة، قبل أن يطعنهم بوتين من الأمام بصاروخ؛ وحين لا يفهم رئيسنا أن بوتين عندما يقول لأوكرانيا، عملياً: “تزوجيني وإلا قتلتك”، فإن زيلينسكي بحاجة إلى أكثر من مجرد مستشار زواج أمريكي — كل ذلك يدفعني للتساؤل: كيف يمكن لهذا أن ينجح؟

خصوصاً حين يخبرني كل عصب في جسدي أن ترامب لا يفهم حقيقة ما تدور حوله في هذه الحرب الأوكرانية. ترامب مختلف عن أي رئيس أمريكي خلال الثمانين عاماً الماضية. إنه لا يشعر بأدنى تضامن غريزي مع التحالف عبر الأطلسي وما يحمله من التزام مشترك بالديمقراطية والأسواق الحرة وحقوق الإنسان وسيادة القانون — ذلك التحالف الذي أنتج أطول فترة ازدهار واستقرار عاشها أكبر عدد من البشر في تاريخ العالم.
أنا مقتنع بأن ترامب ينظر إلى “الناتو” كما لو أنه مركز تسوق تملكه الولايات المتحدة، لكن المستأجرين فيه لا يدفعون إيجاراً كافياً. وينظر إلى الاتحاد الأوروبي كمركز تسوق منافس للولايات المتحدة ،يرغب في إغلاقه بفرض الرسوم الجمركية. إن فكرة أن “الناتو” هو الرمح الذي يحمي القيم الغربية، وأن الاتحاد الأوروبي ربما يكون أعظم ابتكار سياسي حديث للغرب — مركزاً شاسعاً للبشر الأحرار والأسواق الحرة يثبت قارة كانت معروفة بحروبها القبلية والدينية لآلاف السنين — فكرة غريبة عن ترامب.

وأنا أتفق مع بيل بلاين، (محلل اقتصادي بريطاني، )كتب يوم الاثنين: “مهما بالغ القادة الأوروبيون في مديح ترامب، فإن الرابط الأساسي من الثقة الذي أسس لنجاح الاقتصاد عبر الأطلسي طيلة 80 عاماً، والذي خدم الولايات المتحدة لعقود، قد انقطع الآن. نهاية الاقتصاد عبر الأطلسي ستغيّر الاقتصاد العالمي بالكامل — لمصلحة آسيا وعلاقات تجارية جديدة”.

لذلك ليس غريباً أن ترامب لا يشعر بحاجة ملحة لضم أوكرانيا إلى الغرب، أو أن يفهم أن غزو بوتين لم يكن سوى أحدث مساعيه لتفكيك الغرب ،انتقاماً من تفكيك الاتحاد السوفياتي .

كيف أعلم أن ترامب أصمّ عن كل هذا؟ فقط استمع إلى مقابلة مبعوثه الخاص إلى بوتين، ستيف ويتكوف، مع تاكر كارلسون في مارس بعد لقائه الثاني ببوتين في الكرملين. قال ويتكوف: “أعجبني. اعتقدت أنه كان صريحاً معي… كيف يمكننا تسوية نزاع مع رئيس قوة نووية كبرى ما لم نبنِ ثقة ومشاعر طيبة؟”. وأضاف أن بوتين أهدى ترامب لوحة رسمها فنان روسي بارز، وروى له أنه صلى من أجله في الكنيسة كصديق. ثم قال ويتكوف: “لا أعتبر بوتين شخصاً سيئاً… إنها حرب معقدة وعواملها متعددة، ليست مرتبطة بشخص واحد فقط”.

لكن الأمر يزداد سوءاً. فقد سُمع ترامب خلال قمته مع القادة الأوروبيين يوم الاثنين، عبر ميكروفون مفتوح، وهو يقول للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن بوتين: “أعتقد أنه يريد إبرام صفقة من أجلي. أتفهم هذا؟ مهما بدا جنونياً”.

هل يمكن لأحد أن يشير إلى دبلوماسي أمريكي واحد في موسكو أو محلل في وكالة المخابرات المركزية ..يقدّم المشورة لويتكوف وترامب اليوم؟ أراهن أنه لا يوجد. فلا خبير جاد في روسيا سيقول لهم: “لقد خلصنا إلى أنكم على حق ونحن جميعاً كنا مخطئين: بوتين ليس شخصاً سيئاً، إنه يريد سلاماً عادلاً مع أوكرانيا — وعندما يقول إنه صلى من أجل ترامب، يجب أن تصدّقوه”.

آسف، لكن إذا صلى بوتين حقاً من أجل حياة ترامب، فذلك لأنه يعرف أنه لا يوجد رئيس أمريكي آخر يمكن التلاعب به بسهولة كما يُتلاعب بترامب. بوتين لم يكن أبداً يبحث عن “سلام” مع أوكرانيا، بل عن “قطعة” منها — في الحقيقة القطعة كلها إذا استطاع.

وهذا هو “السبب الجذري” للحرب في أوكرانيا، كما قال لي ليون أرون، الباحث المتخصص في روسيا: “بوتين يحتاج أوكرانيا لأسباب أيديولوجية وسياسية داخلية، ولن يتوقف عن السعي إليها والتضحية في سبيلها — إلا إذا جعل الغرب كلفة الحرب باهظة، عسكرياً واقتصادياً”.

أعود إلى حيث بدأت: ترامب وويتكوف ليسا مخطئين في رغبتهما بوقف الحرب وسفك الدماء. وليس خطأً أن يتواصلا بانتظام مع بوتين لتحقيق ذلك. أنا أؤيد الأمرين. لكن لإنهاء هذه الحرب بشكل مستدام، عليك أن تفهم من هو بوتين وماذا يريد. بوتين شخص سيئ، قاتل بدم بارد. إنه ليس صديق الرئيس. هذه خيالات يختار ترامب أن يصدّقها.

ومتى ما فهمت هذه الحقائق، فإنها تقودك إلى نتيجة واحدة: الطريقة الوحيدة المستدامة لوقف هذه الحرب ومنع عودتها هي التزام غربي هائل ومستمر بتزويد أوكرانيا بالموارد العسكرية ،التي تقنع بوتين بأن جيشه سيتفكك. كما يجب على الولايات المتحدة أن تقدّم ضمانات أمنية تردع روسيا عن المحاولة مجدداً، وتشجع حلفاءنا الأوروبيين على الوعد بأن أوكرانيا ستنضم يوماً ما إلى الاتحاد الأوروبي — لتبقى إلى الأبد جزءاً من الغرب.

يجب أن يكون عقاب بوتين على هذه الحرب أنه وشعبه سيظلون إلى الأبد ينظرون غرباً ليروا أوكرانيا، حتى وإن كانت أصغر حجماً، مزدهرة كديمقراطية سلافية قائمة على السوق الحرة، في مقابل روسيا بوتين السلافية المتراجعة، الاستبدادية والنهّابة.

لكن كيف سيتعلم ترامب هذه الحقيقة وقد قوّض مجلس الأمن القومي، وقلّص وزارة الخارجية حتى شلّها، وأقال رئيس وكالة الأمن القومي ونائبه بناءً على نصيحة منظّرة مؤامرات سخيفة مثل لورا لومر، وعيّن تولسي غابارد، المعجبة ببوتين، مديرةً للاستخبارات الوطنية؟

من سيقول له الحقيقة؟ لا أحد.

لا أحد سوى الأرض الجامحة في أوكرانيا. ففي خنادق الدونباس هناك الحقيقة. في عشرين ألف طفل أوكراني تقول كييف إن بوتين اختطفهم، هناك الحقيقة.
في نحو 1.4 مليون جندي روسي وأوكراني قُتلوا أو جُرحوا نتيجة أحلام بوتين المحمومة بإعادة أوكرانيا إلى “أم روسيا”، هناك الحقيقة. في المدنيين الأوكرانيين الذين قُتلوا بطائرات مسيّرة روسية بينما كان ترامب يفرش السجاد الأحمر لبوتين في ألاسكا، هناك الحقيقة.

وكلما تجاهل ترامب هذه الحقائق أكثر، وبنى استراتيجيته للسلام ليس على الخبرة بل على
تضخيمه الهائل لذاته، وعلى نزعة لا أمريكية
مناهضة للغرب، ازداد احتمال أن تتحول هذه
الحرب إلى حربه هو.

وإذا فاز بوتين وخسرت أوكرانيا، فسيتحمل ترامب وسمعته ضرراً لا يمكن إصلاحه — الآن وإلى الأبد.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...