في زاوية هادئة إلى جانب أحد البيوت البيروتية القديمة، جلسوا حول طاولة خشبية أنهكها الزمن. كأنهم استدعوا المدينة كلّها لتجلس معهم. لا ميكروفونات، لا كاميرات، ولا أسئلة جاهزة. الكلمات وحدها كانت تقوم بمهمة التوثيق.
طاولة زهر، ونارجيلة تتناوب الأيدي على خرطومها، اثنان يلعبان واثنان ينتظران على الطرف… «اللي بيخسر يقوم». ضحكٌ خفيف، وسكون يعرفه من عاش بيروت يومًا. حين سألتهم عن بيروت من الذاكرة، لم يُجب أحد بمفرده. بل ردّت الأصوات معًا، كأنها جملة محفوظة منذ الطفولة: «رزق الله على بيروت…»
رفع أبو سليم (47 عامًا) فنجان القهوة ببطء، كأن كل رشفة تستعيد جزءًا من الماضي، وقال: «نحن ما عشنا كل شيء، بس شفناه بعيون أهلنا. كانوا يحكوا، ونحن نكبر على الحكي. بيروت كانت ألوان…حتى الحزن كان أهدى. كانت الحياة فيها موسيقى، من نغمات العود بالزقاق، لضحكات الأطفال عند الميدان».
ثم يسترسل، كمن يفتح خريطة من الذاكرة: «سوق الطويلة، باب إدريس، سوق إياس، سوق السمك… كل زاوية إلها ريحة، وكل حجر يحكي قصة. عشان هيك، لما تمشي بشوارع بيروت القديمة، ما بتحس إنك عم تمشي، بتحس إنك عم تغنّي».
أما أبو نبيل، سائق التاكسي، فكان صوته صوت الطرقات: «بالسبعينات، الأبنية كانت تتنفّس. شرفات، أقواس، حجر عتيق. أما اليوم؟ صناديق إسمنت بلا روح. كنا نتمشّى بالحمرا، نشَمّ ريحة القهوة والبهارات، ونسمع أصوات الكنائس والمساجد تتداخل بلا صدام. صدقوني… كل عيد، المسلم يبارك للمسيحي، والمسيحي يسبق بالمعايدة. ما كان في فرق. بيروت كانت بيتًا واحدًا للجميع».
تضحك أم ليلى (مواليد الخمسينات) قبل أن تتكلم، ضحكة تسبق الذكرى: «رزق الله على ساعة الورود عند الريفولي… كنا نوقف قدّامها كأننا على موعد. ساحة البرج، سوق الذهب… بيروت كانت تلمع، مش بس بالضو، بالناس… ريحة الكعك من المحلات، وريحة الزنبق والياسمين من سوق الإفرنج. والأجمل؟ كنا نسمع الترانيم المسيحية وصوت الأذان كأنهم يتعانقوا… تناغم بلا صراع».
قاطعها نادر بحماسة: «السينمات ببيروت كانت شغلة كبيرة! بتذكّر كنت روح مع رفقاتي وخيي الكبير، الله يرحمو، نحضر خلي بالك من زوزو. ضلّ يعرضو شهور. نرجع عالبيت حافظين الأغاني، ونقضي تاني يوم نحكي عن سعاد حسني كأنها بنت من الحي».
أجابه جورج، بصوت أكثر هدوءًا: «وما تنسوا طفل الخطيئة وماسح الأحذية. أفلام تخلّينا نفكّر بالحياة، مش بس نتسلّى. السينما كانت تجمع الكبير والصغير، المسلم والمسيحي، نضحك ونبكي بنفس اللحظة».
وردّ الجميع تلقائيًا: «إي… رزق الله».
ضحك أبو فؤاد وقال: «قدّيش بدفع لكمشة فستق عبيد سخن؟ هالجملة لحالها فيلم. كنا نسمعها كل يوم. كل شارع إلو طعمو: البرتقال الموردي عند الدورادو، الكنافة عند الصمدي، الفلافل عند الزعيم. كل طعم إلو صاحب، وكل صاحب إلو حكاية».
في الطرف الآخر، كانت سلمى، التي عاشت طفولتها في السبعينات، تتأمل شارع الحمرا: «ما في متل الحمرا بزينة الميلاد. كنا ننطر هاليوم مناطرة، بس ليأخذنا الوالد نتفرج ونندهش. نلتقي ناس من كل المذاهب. ما كانت الطائفية حاضرة، كانت المعايدة، والمحبة، والإنسانية. اليوم؟ خصوصًا بالليل… صارت مدينة أشباح».
أما أبو طارق، التاجر القديم، فراح يسرد الأسماء كأنها نشيد: «الخوري شو، كافيه دو باريس، الدورادو، الستراند، الويمبي والمودكا جنب بعض. كل حي فيه مقهى، وكل مقهى فيه قصة. والجيران يعرفوا بعض، ويباركوا لبعض بلا سؤال. المساجد والكنائس تسمع بعضها، بلا جدال، بانسجام غريب… كأن بيروت كانت تعرف سرّ الحياة».
قال أبو حسن، مبتسمًا: «حتى الأكل إلو تاريخ. الفلافل، الكنافة، حلويات الصمدي. كل شي إلو ذاكرة. كنا نشارك بعضنا الحلوى، والضحك، والأفراح والأتراح».
وأضافت رولا بصوت حنون: «رجعتوني لطفولتي، غريندايزر، ميكي، سندباد، تان تان… كنا مفكّرين الزمن واقف، وإن الأحباب ما بيروحوا. كنا نشوف بعضنا، نشوف الحي كلّه. كأن بيروت قالت:أنا بيتكم، وأنا لكل الناس».
تنهد رامي وقال: «إجت الحروب، وما خلّتنا نكمّل. بس الذاكرة بقيت. الأمهات، الآباء، الأجداد… كلهم ساكنين هون». وأشار إلى صدره، وأضاف: «رزق الله على هيديك الأيام…».
بيروت، كما رواها أهلها، لم تكن مدينة فقط، بل ذاكرة مشتركة. حين كانت الحياة تشبه الحياة، وحين كان المسجد والكنيسة، السوق والمقهى، الطفل والكبير، يعيشون معًا… في حب واحد، رغم كل اختلاف.


