بين عامٍ وآخر، لا يبدو أن لبنان خطا خطوة حقيقية إلى الأمام.
بل يظهر كمن يدور في دائرة مغلقة، يغيّر العناوين والشعارات، فيما الواقع ثابت لا يتبدّل.
فالج ما تعالج ، أزمات تُدار بدل أن تُحل، وبلد معلّق دائماً على حافة الانتظار.
انقضت سنة جديدة، ثقيلة، كأنها نسخة إضافية عن سابقاتها:
فساد بلا محاسبة، وملفات تُفتح ثم تُقفل، من الانهيار المالي الأكبر في تاريخ البلاد، إلى تحقيقٍ مجمّد في جريمة المرفأ، مروراً بملفات الكهرباء والتهريب والتوظيف السياسي.
هنا تُستبدل العدالة بالتسويات، والحقيقة بالتأجيل، فيما أموال المودعين ما زالت عالقة بين الوعود الغامضة وضباب السياسات.
السؤال نفسه يتكرّر منذ سنوات:
هل ستُستعاد هذه الأموال يوماً؟
وهل سيُحاسَب المسؤولون عن هذا الخراب، أم أن الإفلات من العقاب أصبح قاعدة راسخة في الحياة اللبنانية؟
سياسياً، تغيّرت الأسماء وتبدّلت اللهجات، لكن الأداء بقي على حاله.
فجوة واسعة ما زالت تفصل بين ما يُشرَّع على الورق وما يُطبَّق في الواقع، دون أن ينعكس ذلك تحسّناً في ثقة المجتمع الدولي، ولا في أوضاع المودعين، ولا في اقتصاد حقيقي يترنّح تحت ثقل الانكماش.
اقتصادياً، أمضى اللبنانيون عاماً إضافياً من التأقلم القاسي:
تأقلم مع ارتفاع الأسعار، مع هشاشة العمل، مع تآكل المداخيل، ومع واقع بات فيه “غير الطبيعي” هو القاعدة.
تحوّل الصمود إلى ممارسة يومية، لا إلى بطولة استثنائية.
أما القلق، فكان حاضراً بلا انقطاع.
قلق من حرب قد تشتعل في أي لحظة، من توسّع المواجهات على الحدود، ومن أن يتحوّل التوتّر المزمن إلى واقع دموي يعيد البلاد سنوات إلى الوراء.
ذاكرة جماعية مثقلة، تعود كلما ارتفع منسوب الخوف، لتؤكّد أن الماضي هنا لم يصبح بعد ماضياً.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال هذه السنة بالانكسار وحده.
ثمة وعي يتراكم، وغضب لم ينطفئ، وأسئلة تُطرح بجرأة أكبر.
ثمة جيل يرفض المساومة على كرامته، ومجتمع مدني لا يزال، رغم التعب، يحاول خلق مساحات للمساءلة وللاحتمال.
التطلّع إلى مستقبل أفضل ليس وهماً، بل حاجة وجودية في بلد لا يستطيع الاستمرار بلا أمل.
الأمل هنا ليس وعداً جاهزاً، بل قناعة بأن هذا الواقع، مهما طال، ليس نهاية الطريق.
بين عامٍ وآخر، ضاع لبنان… نعم.
لكن بين عامٍ وآخر أيضاً، تتشكّل ببطء فكرة استعادته:
دولة تحاسب،
اقتصاد ينتج بدل أن ينهب،
وسلطة تدرك أن الناس لم يعودوا أرقاماً ولا ضحايا صامتين.
لبنان لم يتعافَ بعد.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه مع نهاية هذه السنة:
هل نملك، كدولة وكشعب، الشجاعة للتوقّف عن إدارة الانهيار،
والبدء فعلاً بمواجهة أسبابه؟


