السبت، 7 مارس 2026
بيروت
15°C
غيوم متفرقة
AdvertisementAdvertisement

جنون العشق

أريج عرفه

يا سالك الدرب الذي لا درب له، يا من تائهٌ أنت بين ما يظهر وما يخفى، ألم تشعر به؟ ألم يرتفع ذلك الوميض من النور، لا في السماء، بل في صحراء روحك القاحلة

الرحلة لا تبدأ بخطوات، بل بألمٍ خفيّ، بتوقٍ لا يُسمى

هناك جنونٌ تتناقله همسات العارفين في أروقة الصوفية، ليس جنوناً كما يُدركه العالم، بل هو جنونٌ مقدسٌ

جنونٌ ولد من رحم العشق

نارٌ تلتهم حدود العقل، لا لتُدمر الفكر، بل لتُزيح الستار عن أقصى حدوده

هذا ليس غياباً للعقل، بل حضورٌ لشيءٍ أعظم، أسمى من كل إدراكٍ حسيّ

إنه الكشف الذي لا يُدركه إلا القلب، بعد أن تُفرغ منه كل ضوضاء الدنيا، وتصمت فيه أصوات الأنا

في أول لقاءٍ لي مع التصوف، وقفتُ على أطرافه، غفلا أن ما رأيته سطحاً كان في حقيقته محيطاً خفياً

لم أكن مأسورة بالعقيدة وحدها، بل باللغة، لغةٌ شعريةٌ تُدمي القلب، غريبةٌ في تركيبها

كانت لغةً لا تُدرك بالعقل وحده، بل بالوجدان

كل كلمةٍ فيها صارت باباً موصداً

كل صمتٍ، بحراً عميقاً لا قرار له

هذا هو الجنون الذي يتحدثون عنه

ليس فوضى عارمة، بل رؤيا تُبصر ما وراء الحجب

ليس اضطراباً، بل إعادة ترتيبٍ للروح حول محور العشق الإلهي، محور الوجود

وبدأتُ أرى، لا بعينيّ الظاهرتين، بل بشيءٍ آخر، ببصيرةٍ ولدت في محراب تسليم القلب

وجدتُ نفسي في مكانٍ لم أعرفه قط، ومع ذلك شعرتُ أنني أنتمي إليه منذ الأزل

كانت الشوارع غريبةً ومألوفةً في آنٍ واحد، والناس مجهولين ومعروفين بعمق

ألم تكن هذه علامةً؟

ألم يكن هذا، كما قال الأكبر من العارفين، انعكاساً للأسماء الإلهية على مرآة العالم؟

لقد كتب الشيخ الأكبر ابن عربي يوماً أن الكون ليس إلا تجلياً لأسماء الله الحسنى

وفي هذا المكان، رأيتُ تلك الأسماء السلام، الجمال، الرحمة، منقوشةً في بساطة الحياة، في رقة الآخرين، في الصمت الذي يتخلل الكلمات

هذه ليست مصادفاتٍ عابرة

هذه كشوفاتٌ تُهديها العناية الإلهية

إنها تتجلى عندما تذوب الذات

عندما يختفي الحدُّ الوهمي بين الأنا “وهو

الذات حجابٌ، وذبولها هو بداية الرؤية الحقيقية

ولكن حتى في هذا المحيط، تتصاعد الأسئلة

ماذا عن الإرادة الحرة؟

ماذا عن القدر الإلهي؟

وهكذا، توجهتُ إلى قصة موسى والخضر

نبي الشريعة، نبي العلم الظاهر، يُرسل إلى رجلٍ غامضٍ، رجل العلم الباطن، علم اللدن

السفينة تُخرق

الطفل يُقتل

الجدار يُبنى لمن لا يسأل

لموسى، بدا كل شيءٍ بلا معنى، عبثاً ظاهراً

ولكن لمن يرى بنور الله، هذه أفعالُ رحمةٍ خفية

حقائق أعمق من أن يحملها السطح

هذا هو الانتقال من “علم الكلام” وعلم الحبر والجهد إلى “العلم اللدني” علمٌ يُوهب مباشرةً من الحق سبحانه

هذا هو معنى التسليم ليس فقدان الإرادة، بل اختيار الثقة بالواحد الأحد الذي يكتب القصة قبل أن تُدرك اللغة التي كُتبت بها

فالإرادة الحرة، إذن، هي حرية فتح القلب عندما يسعى النور للدخول

إنها حرية أن تقول “نعم”، حتى عندما يصرخ العقل “لا”

إنها شجاعة اتباع العشق حيثما يقود، لا حيثما يُفسر

، محاطاً بالعديد من البشر، وتجد الوحدة والسكينة

هدوءً أعمق من الصمت

وبدأتُ أدرك أن الروح ليست داخل الجسد، بل الجسد هو الذي يسبح داخل الروح

وعندما تتذكر الروح حقيقتها، يصبح الجسد خادماً لها، لا سجناً يُقيدها

والآن أسأل نفسي

بعد كل هذه العلامات، هذه الكشوفات، هذا الجنون المقدس

هل ما زلتُ أتساءل إن كان هذا اجتهاداً؟

أليس الاجتهاد هو أعظم سعيٍ للقلب، أن يبحث عن الحقيقة حتى لو حطم كل تصورٍ مسبق

ليس الأمر بكم تعرف، بل بمدى عمق استسلامك وتخليك

أن تسعى في الغيب

أن تثق بما لا يستطيع تذوقه إلا القلب

وهكذا، يا قلب

الآن وقد لامسك هذا النور، ماذا ستفعل به

كيف ستمشي الآن وقد بدأ الدرب يسير بك

ماذا أيضاً قد يُكشف لك عندما تكون مستعداً تماماً لتلقي الفيض

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...

هل يُعَدّ صمود إيران اليوم انتصاراً… أم تأجيلاً لحسمٍ أكبر؟

في الحروب الكبرى، لا تُقاس النتائج دائماً بعدد الضربات أو حجم الخسائر في اللحظات الأولى. فالتاريخ العسكري يُظهر أن المرحلة الأولى من أي مواجهة غالباً ما تكون مرحلة الصدمة، حيث...

موقفٌ مشرّف لأهل السنّة مع إخوانهم الشيعة النازحين

في أوقات الرخاء قد يختلف الناس في السياسة، وتتباين آراؤهم في الشأن العام، وتعلو الأصوات أحيانًا في جدالاتٍ لا تنتهي. لكن حين تهبّ العواصف الكبرى، وحين تضيق الأرض على أهلها بفعل...