الأربعاء، 29 يوليو 2026
بيروت
31°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

جنون العشق

أريج عرفه

يا سالك الدرب الذي لا درب له، يا من تائهٌ أنت بين ما يظهر وما يخفى، ألم تشعر به؟ ألم يرتفع ذلك الوميض من النور، لا في السماء، بل في صحراء روحك القاحلة

الرحلة لا تبدأ بخطوات، بل بألمٍ خفيّ، بتوقٍ لا يُسمى

هناك جنونٌ تتناقله همسات العارفين في أروقة الصوفية، ليس جنوناً كما يُدركه العالم، بل هو جنونٌ مقدسٌ

جنونٌ ولد من رحم العشق

نارٌ تلتهم حدود العقل، لا لتُدمر الفكر، بل لتُزيح الستار عن أقصى حدوده

هذا ليس غياباً للعقل، بل حضورٌ لشيءٍ أعظم، أسمى من كل إدراكٍ حسيّ

إنه الكشف الذي لا يُدركه إلا القلب، بعد أن تُفرغ منه كل ضوضاء الدنيا، وتصمت فيه أصوات الأنا

في أول لقاءٍ لي مع التصوف، وقفتُ على أطرافه، غفلا أن ما رأيته سطحاً كان في حقيقته محيطاً خفياً

لم أكن مأسورة بالعقيدة وحدها، بل باللغة، لغةٌ شعريةٌ تُدمي القلب، غريبةٌ في تركيبها

كانت لغةً لا تُدرك بالعقل وحده، بل بالوجدان

كل كلمةٍ فيها صارت باباً موصداً

كل صمتٍ، بحراً عميقاً لا قرار له

هذا هو الجنون الذي يتحدثون عنه

ليس فوضى عارمة، بل رؤيا تُبصر ما وراء الحجب

ليس اضطراباً، بل إعادة ترتيبٍ للروح حول محور العشق الإلهي، محور الوجود

وبدأتُ أرى، لا بعينيّ الظاهرتين، بل بشيءٍ آخر، ببصيرةٍ ولدت في محراب تسليم القلب

وجدتُ نفسي في مكانٍ لم أعرفه قط، ومع ذلك شعرتُ أنني أنتمي إليه منذ الأزل

كانت الشوارع غريبةً ومألوفةً في آنٍ واحد، والناس مجهولين ومعروفين بعمق

ألم تكن هذه علامةً؟

ألم يكن هذا، كما قال الأكبر من العارفين، انعكاساً للأسماء الإلهية على مرآة العالم؟

لقد كتب الشيخ الأكبر ابن عربي يوماً أن الكون ليس إلا تجلياً لأسماء الله الحسنى

وفي هذا المكان، رأيتُ تلك الأسماء السلام، الجمال، الرحمة، منقوشةً في بساطة الحياة، في رقة الآخرين، في الصمت الذي يتخلل الكلمات

هذه ليست مصادفاتٍ عابرة

هذه كشوفاتٌ تُهديها العناية الإلهية

إنها تتجلى عندما تذوب الذات

عندما يختفي الحدُّ الوهمي بين الأنا “وهو

الذات حجابٌ، وذبولها هو بداية الرؤية الحقيقية

ولكن حتى في هذا المحيط، تتصاعد الأسئلة

ماذا عن الإرادة الحرة؟

ماذا عن القدر الإلهي؟

وهكذا، توجهتُ إلى قصة موسى والخضر

نبي الشريعة، نبي العلم الظاهر، يُرسل إلى رجلٍ غامضٍ، رجل العلم الباطن، علم اللدن

السفينة تُخرق

الطفل يُقتل

الجدار يُبنى لمن لا يسأل

لموسى، بدا كل شيءٍ بلا معنى، عبثاً ظاهراً

ولكن لمن يرى بنور الله، هذه أفعالُ رحمةٍ خفية

حقائق أعمق من أن يحملها السطح

هذا هو الانتقال من “علم الكلام” وعلم الحبر والجهد إلى “العلم اللدني” علمٌ يُوهب مباشرةً من الحق سبحانه

هذا هو معنى التسليم ليس فقدان الإرادة، بل اختيار الثقة بالواحد الأحد الذي يكتب القصة قبل أن تُدرك اللغة التي كُتبت بها

فالإرادة الحرة، إذن، هي حرية فتح القلب عندما يسعى النور للدخول

إنها حرية أن تقول “نعم”، حتى عندما يصرخ العقل “لا”

إنها شجاعة اتباع العشق حيثما يقود، لا حيثما يُفسر

، محاطاً بالعديد من البشر، وتجد الوحدة والسكينة

هدوءً أعمق من الصمت

وبدأتُ أدرك أن الروح ليست داخل الجسد، بل الجسد هو الذي يسبح داخل الروح

وعندما تتذكر الروح حقيقتها، يصبح الجسد خادماً لها، لا سجناً يُقيدها

والآن أسأل نفسي

بعد كل هذه العلامات، هذه الكشوفات، هذا الجنون المقدس

هل ما زلتُ أتساءل إن كان هذا اجتهاداً؟

أليس الاجتهاد هو أعظم سعيٍ للقلب، أن يبحث عن الحقيقة حتى لو حطم كل تصورٍ مسبق

ليس الأمر بكم تعرف، بل بمدى عمق استسلامك وتخليك

أن تسعى في الغيب

أن تثق بما لا يستطيع تذوقه إلا القلب

وهكذا، يا قلب

الآن وقد لامسك هذا النور، ماذا ستفعل به

كيف ستمشي الآن وقد بدأ الدرب يسير بك

ماذا أيضاً قد يُكشف لك عندما تكون مستعداً تماماً لتلقي الفيض

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

لقاء الثلاثاء… هل يناقش الشرق الأوسط أم مستقبل الرجلين؟

على الرغم من أن جدول أعمال اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو يتضمن رسمياً ملفات إيران وغزة وسورية ولبنان ، إلا...

نظرة في ملف "محمود أحمدي نجاد"

أثارت تقارير صحفية، واستخباراتية إسرائيلية الكثير من اللغط حول الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، وعن تجنيده لصالح الموساد الإسرائيلي أو محاولة تجنيده على اختلاف الروايات....

بداية الإصلاح... رؤية السقطات

في كل أزمة يمر بها وطن، وفي كل نكبة تصيب شعباً، يبرز سؤال واحد: من أين نبدأ الإصلاح؟ والجواب بسيط وعميق في آنٍ معاً: بدايةُ الإصلاحِ رؤيةُ السقطاتِ والأخطاءِ والثغراتِ، ثم...

لماذا لا تضرب إيران "إسرائيل"؟

أيا ما كان مصير مساعى الوسطاء فى باكستان وفى قطر ، فإن العودة للتفاوص الأمريكى الإيرانى ، لن تؤدى غالبا إلى وقف الحرب الجديدة الجارية على جبهة إيران ، ولا إلى تقليص ما جرى ويجرى...

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...