كانت “س” في الرابعة عشرة عندما فُرض عليها الزواج، في بيت لا يسمع فيها إلا صوت الكبار وأوامرهم، حيث لم يكن للطفولة أي مكان، ولا للفشل أي عذر. في يوم زفافها، ارتدت فستانًا أبيض، لكن قلبها كان يختنق بالخوف، كأنها تمضي نحو مصير مجهول لا رجعة منه حتى انها لم تتنبه إلى انها اصبحت اماً وانها انجبت طفلين في غفلة من نفسها ، وليس من الزمن ، وبدلاً من ان تنصرف إلى الفرح بكل طفل أنجبته ، نسيت انها اماً وانساها سلوك شريك حياتها، انها انثى تحوّلت الأيام سريعًا إلى سلسلة من الأوامر، والليل إلى زمن للخوف، فقد كان الزوج يرى فيها خادمة قبل أن يرى إنسانة. كان يصرخ إذا لم تُحضّر الطعام في الوقت المحدد، ويكسر الأشياء إذا لم يمتثل الأطفال لأوامره. كلماته كانت كالسكاكين، تجرح بصمت، وتأتي يداه لتؤكد سلطته. كانت تتلقى الضرب بصمت، تنكمش في زاوية الغرفة، وتحاول إخفاء جسدها عن أطفالها كي لا يروا ما يفعله بهم أبوهم في أمهم.
عند الخامسة عشرة، حملت “س” للمرة الأولى. طفل صغير جاء إلى عالم مليء بالعنف قبل أن يعرف الأمان. كانت الولادة تجربة جسدية ونفسية جديدة، لكنها لم توقف دورة المعاناة: لم يخفف الحمل أو الأمومة من الصراخ، الضرب، أو التوقعات المستمرة. أيامها كانت مزيجًا من رعاية الأطفال، خدمة الزوج وأهله، وإدارة بيتها الصغير، بينما كانت كلمات والدها ووالدتها تتردد دائمًا:
“هذا نصيبك، تحمّلي، هذه حياتك ولا شيء يمكن تغييره.”
مع كل ضربة وكل صراخ، كانت “س” تقول في نفسها بصوت خافت، يحاول أن يصمد:
“لماذا أنا؟ لماذا كل شيء يقع عليّ وحدي؟”
سنوات الطفولة المبكرة والحرمان اختلطت مع أيام مليئة بالصمت والخوف. الزوج الذي أُجبرت على العيش معه مارس عليها كل أشكال الإيذاء: جسدي، عاطفي، جنسي، وإهمال اقتصادي. الأثر الجسدي لم يقتصر على الكدمات والجروح، بل ظهر في اضطرابات النوم، التعب المستمر، وانخفاض القدرة على التركيز، بينما كانت تحاول أن تحمي أطفالها من رؤية الألم الذي يحيط بها.
لم يكن بيتها بيتها. فقد كانت تخدم والدَي زوجها وأخويه أيضًا. كانت تستيقظ قبل الفجر لتغسل الأواني، تعد الفطور للجميع، وتنظف الغرف، ثم تعود لرعاية طفلين لا يعرفان إلا بكاءها الصامت. في الليل، حين تنتهي من كل شيء، كانت تنام بجسدٍ منهك على فراشٍ لا تشعر فيه بالأمان. كل يوم كانت تسمع نفس العبارة:
“هكذا تعيش النساء، تحمّلي. الرجل لا يُغضب.”
حين كانت تشكو لأمها، كانت تسمع ذات الجواب الذي كسر شيئًا بداخلها:
“اصبري، هذا نصيبك. ما في امرأة بتعيش بلا رجل. هو عصبي شوي، بس بكرا بيهدأ.”
لكن “س” كانت تعرف أنه لن يهدأ. كانت تعرف لأنها شعرت بالموت أكثر من مرة، حين أغلق الباب وصفعها حتى سقطت على الأرض، وحين ضغط على عنقها حتى اختفى صوتها، وحين نظرت إلى عينيه ورأت فيهما فراغًا لا يشبه الإنسان. وفي كل مرة كانت تهمس لنفسها بصوت خافت:
“أنا لست ضعيفة… أريد أن أعيش… أريد أن أتنفس.”
تلك الليالي كانت نقطة تحولها الداخلية. لم تعد فقط تخاف منه، بل بدأت تخاف أن تُمحى تمامًا. كانت تفكر بالهروب، لكنها كانت بلا مال، بلا مأوى، بلا أحد يصدقها. بعد سنوات من الصمت والخضوع، جاء اليوم الذي لم تعد قادرة فيه على الاحتمال. ضربها أمام أطفالها، بقسوة جعلتها تشعر أن النهاية قريبة. في الصباح التالي، حملت حقيبة صغيرة وطفليها، وخرجت. لم تلتفت إلى الوراء. ذهبت إلى بيت والديها، وهي لا تعرف ما ينتظرها.
استقبلوها بالدهشة، لا بالاحتضان. قال والدها بلهجة حاسمة:
“رجال ما بينعاب. العيلة ما بتتحمل طلاق. تحمّلي شوي، بكرا بيحنّ.”
لكنها لم تعد قادرة على التحمل. للمرة الأولى في حياتها، رفعت رأسها وقالت:
“ما بدي أعيش ببيت موت. خليني أعيش فقيرة بس عايشة.”
الطلاق لم يكن خلاصًا سهلاً، بل بداية حرب جديدة. النظرات، الهمس، التعليقات. كل شيء حولها كان يذكّرها بأنها خرجت عن المألوف. لكن شيئًا ما تغير داخلها، الوعي بأنها نجت، ولو جريحة.
بدأت جلسات العلاج النفسي بعد شهور من محاولتها إعادة بناء نفسها. في البداية، كان الخوف يسكن كل كلمة. كانت تنظر إلى الأرض أكثر مما تنظر إلى المعالجة، وكأنها تعتذر عن وجودها. ثم ببطء، بدأت الحكاية تخرج. مشهد بعد مشهد، ضربة بعد ضربة، كلمة بعد كلمة. كانت الجلسات تفتح جروحها، لكنها أيضًا كانت تزرع بذور الوعي. كانت تقول لنفسها بصوت داخلي متصاعد:
“أنا أستحق الحياة… أستحق أن أختار لنفسي… أستحق أن أكون أنا.”
عندما أعلنت ذات يوم أنها قررت الارتباط مجددًا فقط لتتجنب ضغط أهلها، لم يكن القرار نابعًا من رغبة، بل من خوفٍ متجذرٍ من الوحدة. توقفت عن العلاج، كأنها تسلّمت من جديد لأصوات الخارج. لكن بعد شهرين، عادت. كانت مختلفة. قالت بصوتٍ ثابت:
“ما بدي أعيش حياة ما فيها أنا.”
ومنذ تلك اللحظة، تحولت الجلسات من الحديث عن الألم إلى بناء هوية جديدة. بدأت تكتب لنفسها أهدافًا بسيطة: عمل، بيت صغير، حياة هادئة لأطفالها. صارت تتطوع لدعم نساء أخريات، وتقول لهن ما لم تسمعه يومًا من أحد:
“مش غلط تحكي. ومش ضعف تطلبي مساعدة.”
لم تعد “س” تبحث عن النجاة فقط، بل عن المعنى. في كل جلسة كانت تكتشف أن القوة ليست في التحمل، بل في الوعي، وأن الشفاء ليس في النسيان، بل في إعادة كتابة القصة من منظور جديد، منظور امرأة نجت، وتتعلم الآن كيف تزهر بعد الألم.
قصة “س” تذكّرنا أن الصحة النفسية لا تعني فقط غياب المعاناة، بل استعادة الصوت، والإرادة، والحق في الاختيار. الكلام يُحرر، والاستماع المتعاطف يُعيد الحياة، والوعي هو أول خطوة في طريق الحرية.


