كانت العير تمضي في صخب وقائدها ينادي في الأمام :
كل من يرغب بكربلاء ليبدأ باسم الله …
وكل من ينوي صحبتنا ليبدأ باسم الله ، أجاب آخر :
ليهنأ كل من يرغب بكربلاء ” وليهنأ كل من ينوي صحبتنا … عاد الأول ينادي :
أي …. كربلاء التي يصحو فيها المرء … فلا زالت صرخة زينب يتردد صداها … عاد الثاني ينادي مرة ثانية :
أي …كربلاء ، ليجعله الله من نصيبي يا أعزائي ، ويجعلني الله فداءً للملك الغريب .
هز القائد الأول رايته ، ونادى بصوت مرتفع :
” ليقطع لسان كل من لا يقول هذه الكلمات !..
أي لا يصلي على حبيب الله خاتم الأنبياء ، وعلى ذرية علي بن أبي طالب الإحدى عشرة ..
قسماً بوجوههم القمرية لتصلوا عليهم فرداً فرداً ” ..
وفي نهاية الشعر صدح جميع الزوار معاً بالصلاة على النبي وآله .. وبدت القبة الذهبية الجليلة بمناراتها البديعة ، وبدت معها قرينتها الأخرى القبة الزرقاء ، كانت تبدو مثل رقعة ناشزة وسط البيوت الطينية … قبيل الغروب دخلت العير الى شارع كانت على جانبيه ثمة جدران متهدمة ودكاكين صغيرة .
وقع هناك زحام مهيب ، كانت العرب الجفاة بوجوههم الغبية معتمرين الطرابيش على رؤوسهم ، وبسيماء ماكرة تحت العمامة ، وبلحى وأظافر مخصبة بالحناء ، ورؤوس حليقة يسبحون ويتجولون بنعلين وعباءة وسروال ، يتحدثون باللغة العربية ، ويهذرمون باللغة التركية ، أو تخرج العربية من سقف حلوقهم أو من أمعائهم ، وتتصاعد أصواتهم نحو السماء ، ونساء العرب بوجوه موسومة قذرة وعيون بلون الفحم ، كن قد وضعن حلقات في أنوفهن ، وكانت إحداهن قد ألقمت ثديها الأسمر حتى منتصفه في فم رضيع قذر تحتضنه .
كان هذا الحشد يجلب الزبائن بشتى الطرق أحدهم ينوح وآخر يضرب صدره وثالث يبيع الخواتم والمسابح والأكفان المباركة ، ورابع يطرد الجان وخامس يكتب الأحجية ، وسادس يؤجر البيوت ، واليهود ذوي القفطان الطويل يشترون الذهب والحلي من المسافرين ، وكان يجلس أمام مقهى ، عربي واضعاً أصبعه في أنفه ، وبيده الأخرى يخرج وسخ ما بين أصابع قدمه وقد كسا الذباب وجهه ويطلع القمل من رأسه .
حين توقفت العير ، هرع الحاج رمضان والسيد حسين وساعدا كلين هانم وعزيزة آغا ، وأنزلاهما من الهودج ، ثم هجم حشد غفير على المسافرين ، وفي هذه الأثناء ضاعت عزيزة آغا بين هذا الجمع ، ومهما بحثوا عنها كان ذلك بلا جدوى .. وفي النهاية بعدما أجّرت كلين هانم وحسين آفا والحاج رمضان حجرة طينية بسبع روبيات في الليلة ، ثم ذهبوا للبحث عن عزيزة آغا مرة ثانية ولم يحصلوا على أثر لها وكان الليل قد حل ، وقد خلا صحن المقام قليلاً فدخلت كلين هانم الى الحرم للمرة التاسعة ، ولاحظت حشد من النساء ورجال الدين قد تحلقوا حول امرأة ملتصقة بقفل الضريح وتقبله وتصيح :
يا حبيبي أيها الإمام الحسين ، أغثني ! تحت القبر وفي اليوم الذي يستمر خمسين ألف سنة ، وحين تغور كل العيون في محاجرها ، يالمصيبتي ماذا سأفعل حينها ؟ أدركني ! أدركني ! التوبة ، التوبة إني أذنبت فاغفر لي ! ” … ومهما يسألوها عما حدث ، لم تكن لتجيب ، وفي النهاية قالت بعد إلحاح : ” لقد فعلت أمراً ، وأخشى أن لا يسامحني سيد الشهداء” كانت تردد تلك الجملة وينهمر سيل من الدموع من عينيها ، فعرفت كلين هانم صوت عزيزة آغا فتقدمت وجذبت يدها واصطحبتها الى الصحن ، واخذتها الى البيت بمساعدة السيد حسين .
وتجمع الناس حولها وبعدما اعطوها كوبين من الشاي المحلى وأعدوا لها نرجيلة ، اشترطت عزيزة آغا أن يخرج السيد حسين ابن ضرتها من الغرفة حتى تروي قصتها ، وحين خرج شدت عزيزة آغا النرجيلة وبدأت تقول :
يا عزيزتي كلين هانم ، تعلمين أني عندما ذهبت الى بيت زوجي المرحوم المغفور له ” كدا علي ” ، عشت معه ثلاث سنوات عزيزة متنعمة ومكرمة ، وكان كدا علي يعبدني ويعاملني كالملكة ، ولكن في هذه المدة لم أحبل ومن أجل ذلك ألح عليّ زوجي : ” والله أريد صبيا ” وكان كل ليلة يجلس بجواري قائلاً : ” ماذا أصنع بسوء الحظ هذا ؟ أنا عقيم ” مهما تعالجت ودعوت لم أنجب في النهاية .
حتى أتاني كدا علي ذات ليلة وبكى وقال : ” إن رضيتي فسأتزوج بنت متعة من أجل أن تقوم بخدمة البيت ، وبعدما أحصل على الطفل سأطلقها .. وأنتِ تقومين بتربية الطفل كأنه ابنك ” وأنا انخدعت بكلام المرحوم وقلت : ” وما العيب في ذلك أنا سأتولى الأمر بنفسي ” وفي غد ذلك اليوم التحفت بالعباءة وذهبت الى خديجة بنت حسن اللبان التي كانت قبيحة سوداء ومصابة بالجدري لأخطبها لزوجي ….. يتبع


