الأربعاء، 9 سبتمبر 2026
بيروت
26°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

سر الغزل الدبلوماسي المفاجئ بين بوتين والشرع (تحليل شامل)

تحليل- صفوت عليوان

تشهد العلاقات بين النظام السوري الجديد وروسيا تطورات درامية، فبعد أقل من عام من التدخل الروسي لإنقاذ الرئيس السوري المعزول بشار الأسد، يترقب الروس والسوريون لقاء الرئيس فلاديمير بوتين ونظيره الجهادى أحمد الشرع في أمر يقلق واشنطن وتل أبيب.

بقراءة سريعة، يتبيّن أنّه لن تكون واقعيّةً رغبةُ دمشق بالحصول على دعم أو غطاء روسيّ أمام التوغّلات الإسرائيلية أو الغارات الجوّية المتنقّلة. فروسيا لم تكن سدّاً منيعاً أمام الهجمات الإسرائيلية زمن بشّار الأسد، وإن كانت زوّدت دمشق بوسائل دفاع ذات مدى محدّد، وكانت تسلّح الجيش بمعدّات كثيرة لقتال الثورة، لا إسرائيل. وهي بالتأكيد لن تزوّد النظام الجديد بعُشر ما كانت تعطيه للأسد.

والسبب واضح، وهو أنّ بوتين يريد تحييد إسرائيل عن حرب أوكرانيا قدر المستطاع، وهذه حسابات شائكة كانت سبباً في تخاذل الروس عن دعم الأسد قبيل السقوط، وعن دعم طهران نفسها بالسلاح الدفاعيّ المناسب.

فماذا يعني هذا الغزل الدبلوماسي بين أعداء الأمس؟ هل تستعيد موسكو دورها الاستراتيجيّ في سوريا؟ وهل تقدّم للنظام الجديد الغطاء العسكريّ والأمنيّ الذي كانت توفّره لنظام الأسد تقييداً للتفلّت الإسرائيلي في الجنوب السوري وفي كلّ ناحية، حفاظاً على قواعدها العسكرية ومصالحها الاقتصاديّة في سوريا؟

يستفيد بوتين أكثر من الشرع بالعودة إلى سوريا لاعباً استراتيجيّاً. وكلّما تعرّضت سوريا للعدوان الإسرائيلي، كانت الحاجة أكبر إلى المساعدة الروسيّة المحدودة
لماذا تدخّلت موسكو عام 2015؟

لا بدّ من رسم خارطة المصالح المتوقّعة والآمال غير الواقعيّة، لرصد الإمكانات الحقيقية لعلاقة مثمرة مع الاتّحاد الروسيّ بقيادة بوتين. لكن من المفيد التذكير قبل ذلك بالأسباب الجيوسياسية التي دفعت بوتين إلى التدخّل العسكري المباشر في سوريا عام 2015، وبالتأكيد ليس اقتناعاً ببشّار الأسد.

أوّلاً: رأت موسكو في الفوضي السوريّة امتداداً لما سُمّي بثورات الربيع العربي أواخر عام 2010، التي هي النسخة العربية للثورات الملوّنة التي ضربت بعض دول أوروبا الشرقية بعد تحرّرها من الاتّحاد السوفيتي، وأصابت بلداناً مجاورة لروسيا الاتّحادية، لا سيما جورجيا وأوكرانيا. ففي جورجيا، قامت “ثورة الورود” عام 2003، فأطاحت بالرئيس الجورجي السابق إدوارد شيفرنادزه المدعوم من موسكو، وأوصلت إلى الحكم ميخائيل ساكاشفيلي المدعوم غربيّاً، وزعيم المعارضة الجورجيّة سابقاً. فردّت موسكو بإرسال قوّاتها إلى جورجيا عام 2008 دعماً للانفصاليّين في إقليمَي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.
في أوكرانيا، اندلعت الثورة البرتقالية عام 2004، لكنّها لم تحسم الصراع بين مؤيّدي الغرب ومناصري روسيا من الأوكرانيّين المتحدّثين بالروسيّة. حتّى كان عام 2014، حين وقع الانقلاب الشعبي على الرئيس المؤيّد لروسيا فيكتور يانوكوفيتش، فردّت روسيا بضمّ شبه جزيرة القرم، ودعم المتمرّدين في شرق البلاد.

ومن هنا يُفهم التدخّل الروسيّ في سوريا أنّه محاولة لإجهاض موجة إسقاط النُّظُم السياسية بالثورات الشعبية أو الانقلابات العسكرية، على غرار ما حدث في ليبيا مثلاً عام 2011. فموسكو نفسها كانت مؤهّلة لثورة ملوّنة أيضاً، وهي تدافع عن نفسها.

ثانياً، لا ترتاح روسيا لوصول إسلاميّين سُنّة إلى السلطة، لا سيما إن كانوا من التيّار السلفيّ. وقد عانت الأمرّين من ثورة الشيشانيّين على الحكم المركزيّ، وكان أصلب معارضيها من السلفيّين الجهاديّين، في الحربين المتعاقبتين: (1994-1996)، و(1999-2009). ولم تستطِع التغلّب على المعارضة الشيشانيّة إلّا بالاستناد إلى الزعيم الصوفيّ رمضان قديروف، الذي أثبت ولاءه المطلق لبوتين بمشاركته الفعّالة في الحرب ضدّ أوكرانيا عام 2022.

وفي سوريا خلال الثورة على الأسد، كان أشرس المقاتلين ينتمون إلى التيّار السلفيّ، ومنهم الرئيس الشرع، ووزير الخارجية الشيباني، ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة. وإلى جانبهم مقاتلون شيشانيّون وتركستانيون وغيرهم. لذلك كان الهجوم الروسيّ جزءاً من عمليّة دفاعيّة استباقيّة، خشية رجوع العدوى إلى الاتّحاد الروسيّ، والنار تحت الرماد.
نجح الرئيس الشرع ورفاقه، على نحوٍ غير متوقّع، في إقناع دول رئيسة في العالم، بحقيقة تحوّلهم إلى مسار آخر. فرُفعت عقوبات أميركية، وتدفّق مستثمرون، وصمد النظام الجديد أمام تحدّيات جمّة
هل تغيّر الشّرع أم بوتين؟

حتّى تعود العلاقات الروسيّة السوريّة إلى دفئها السابق؟ هل زال خطر الثورة الملوّنة في روسيا، بعد نقل بوتين المعركة إلى ميدان العدوّ في أوكرانيا المدعومة من الولايات المتّحدة وأوروبا الغربيّة؟ وهل يثق بوتين الآن بالسلفيّين الجهاديّين، أم نجح هؤلاء في تغيير الانطباع السابق عنهم، وبرهنوا عن براغماتيّة غير مسبوقة.

في المقابل، يستفيد بوتين أكثر من الشرع بالعودة إلى سوريا لاعباً استراتيجيّاً. وكلّما تعرّضت سوريا للعدوان الإسرائيلي، كانت الحاجة أكبر إلى المساعدة الروسيّة المحدودة. والفائدة الروسيّة الكبرى ستكون في الاقتصاد عامّة، وفي مجال الطاقة خاصّة، وفي إعمار البلاد بعد دمار وتهجير عميمين كانت روسيا نفسها من عواملهما. إنّها باختصار محاولة سوريّة لتخفيف القلق الإسرائيليّ، بالتقرّب من عدوّ استراتيجيّ للثورة، وفق تكتيكات ظرفيّة غير مضمونة.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

نائب الغلابة.. عمرو رشاد يتكفل بسداد المصروفات الدراسية للطلاب غير القادرين بالجيزة

أعلن المهندس عمرو رشاد، عضو لجنة الإسكان والإدارة المحلية والنقل بمجلس الشيوخ وعضو لجنة القيم، ورئيس قطاع وسط الجيزة بحزب حماة الوطن، إطلاق مبادرة «إحنا أهل»، للتكفل بسداد...

الكتاب الذي منعت أميركا نشره

كاتبه جون بيركنز لم يكن صحفيا، كان موظفا رسميا في شركة اسمها MAIN العملاقة. هذه الشركة واجهة لوكالة الامن القومي NSA. وظيفته في البطاقة: خبير اقتصادي كبير. وظيفته الحقيقية: قاتل...

من علي الطاهر إلى صناديق الاقتراع... الحرب التي تجمع ترامب ونتنياهو وتفرقهما.

تقترب صناديق الاقتراع، وتقترب معها المنطقة من مرحلة تبدو فيها السياسة والميدان وجهين لمعركة واحدة. فالانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول، تليها الانتخابات الأميركية في 3 تشرين...

كفررمان والجنوب... هل هؤلاء بنية تحتية؟

تسعة أسماء. بينهم أطفال ونساء. سقطوا في مجزرة بلدة كفررمان الجنوبية: محمد نعيم فرحات، حسن وحسين ومحمد وفاطمة فرحات، زهراء أيوب، والأطفال مريم وعبدالله وعباس فرحات. هل هؤلاء...

المعتدي والمعتدى عليه أوروبا بين شعارات القيم ومنطق المصالح

المنظومة الدولية التي وُلدت بخطيئة الازدواجية منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، تأسست المنظومة الدولية على أسس نظرية سامية الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون،...

هل كان سيد قطب مؤسس جماعة الإخوان المسلمين مفكر عظيم أم إرهابي كبير

أصدر ويلفر كرين ضابط المخابرات الأميركية كتابه ” حبال من رمال ” سنة 1948 بتاريخ حرب فلسطين ، فخاف الأميركيون من ارتماء العرب في أحضان الشيوعية ، وقرروا جذب الشيوخ...