نقاش جدي يجري في ألبانيا حول منح البكتيرية وضعًا سياديًا محدودًا داخل تيرانا، في خطوة تُقارَن أحيانًا بنموذج الفاتيكان ولكن بطابع صوفي شرقي لا بطابع كنسي. ما كان يُعدّ خيالًا قبل سنوات أصبح اليوم جزءًا من حوار رسمي حول إدارة التنوّع الديني واستثمار الإرث الروحي في تعزيز صورة ألبانيا كدولة متسامحة، لكن الحقيقة تكشف أن هذه الطائفة بعيدة كل البعد عن الإسلام والتشيع الحقيقي.
البكتاشيون يدعون انتماءهم للشيعة ويستخدمون رموزًا شيعية، لكن فحص طقوسهم وتعاليمهم يظهر أنهم بعيدون كل البعد عن التشيع الإمامي ،وعن الإسلام التقليدي. فهم لا يلتزمون بالشعائر الأساسية مثل الصلاة والصوم والحجاب، ولا يتبعون أي فقه إسلامي معتمد، ويقدّمون معتقداتهم الباطنية والرمزية كمرشد للعبادة. تأسست طريقة البكتاشية في الأناضول والبلقان منذ القرن الثالث عشر على يد الحاج بكتاش ولي، وهي طريقة صوفية تعتمد الطقوس الرمزية والممارسات الروحية والرموز الغامضة، أكثر من أي التزام شرعي، ما يجعلها أقرب إلى معتقد صوفي رمزي منها إلى دين قائم على نصوص القرآن والسنة أو إلى التشيع الإمامي.
تتميز البكتاشية بتنظيم هرمي يقوده “الدده بابا”، وطقوس تعتمد الذكر الجماعي وتقديم الباطن على الظاهر، مع استخدام الخمر في سياقات رمزية تعبّر عن “السكر الروحي”، إضافة إلى جلسات مختلطة تجمع الرجال والنساء في أنشطة إنشادية وحركية. كل هذا يوضح أنها طريقة صوفية لا علاقة لها بالشريعة الإسلامية، وأن ادعاءها الانتماء للشيعة مجرد غطاء رمزي يختلف كليًا عن المذهب الحقيقي.
المطالبة بمنح مقرّهم العالمي وضعًا أشبه بسيادة رمزية لا تنبع من رغبة سياسية في الاستقلال، بل من رغبة في حماية أوقافهم وتراثهم من التقلبات، ومن حاجة إلى اعتراف قانوني يضمن استمرار طريقة صوفية لا تمت للإسلام بصلة، والتي تعرّضت تاريخيًا للاضطهاد في الدولة العثمانية ثم القمع في تركيا الكمالية. ويرى قادتهم أن تحويل المركز إلى كيان رمزي مستقل يمنحهم نافذة دبلوماسية روحانية تُشبه ما يمتلكه الفاتيكان، ولو على نطاق أصغر، مع الحفاظ على شكل من الاستقلال الرمزي.
وعلى الرغم من وصف بعض وسائل الإعلام المشروع بـ“الفاتيكان الشيعي”، فإن هذا الوصف مضلل، لأن البكتاشية ليست فرعًا من التشيع الإمامي، ولا مؤسسة إسلامية أو فقهية، بل جماعة صوفية تعتمد الرموز الباطنية والممارسات الرمزية، وهي بعيدة عن الإسلام والتشيع الحقيقيين.
ومع تصاعد الحديث عن هذا الكيان الروحي المحتمل، يبرز سؤال سياسي وديني حساس: هل الهدف من قيام “دولة بكتاشية” في تيرانا مجرد حماية رمزية للتراث الصوفي، أم أننا أمام مؤامرة أوسع تهدف إلى محاربة الإسلام والتشيع في أوروبا والعالم، واستثمار الرمزية الدينية كأداة ضمن المخططات الجيوبوليتيكية؟ أسئلة مفتوحة تتطلب متابعة دقيقة، لأن المشاريع الرمزية مهما صغُرت جغرافيًا قد تحمل تأثيرات تتجاوز حجمها، وقد تصبح جزءًا من لعبة دولية تستخدم الدين كواجهة لنفوذ سياسي واستراتيجي.
واللافت أن زعيم البكتاشية، بابا مندي، اتخذ مواقف داعمة لإسرائيل مؤخرًا، مع توكيد التضامن مع ضحايا الهجمات ، من دون إدانة ما يحدث في فلسطين. هذا الموقف أثار استغرابًا وانتقادات داخل الأوساط المسلمة ويطرح تساؤلات جدية: هل الهدف من إقامة “دولة بكتاشية” في تيرانا حماية روحية وتراثية فحسب، أم أننا أمام مشروع قد يستغل الرمزية الدينية ضمن أجندات سياسية وجيوبوليتيكية لمحاربة الإسلام والتشيع في أوروبا والعالم؟


