السبت، 7 مارس 2026
بيروت
14°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

قراءة في فكر الشهيد مرتضى مطهري

وقفت ملياً أتصفح على عجل عناوين الكتب التي قام الشهيد مرتضى مطهري بتأليفها، فإذا بها كثيرة متنوعة تتناول الجوانب الدينية والفلسفية والفقهية والإقتصادية والاجتماعية، فقد كان موسوعة تشعبت مواضيعها فكانت مدادا لقلمه حين كتب فيها، وعلماً غزيراً انساب بين شفتيه حين تكلم بها، فهو مؤرخ كتب في التاريخ وسير الأئمة والملاحم الحسينية فاسترعاه جانب الفلسفة والعقيدة فكتب في التوحيد والعدل الإلهي، وهو عالم اجتماع كتب في الأخلاق والتكامل الإجتماعي للإنسان ومتطلبات العصر فانبرى يدافع عن الإسلام ومبادئه السامية وعن الشريعة وأحكامها ، وهو عالم في الاقتصاد كتب عن الإقتصاد الإسلامي والربا والتأمين فكان من ضمن من أجادوا في الكتابة بهذا الموضوع، وكان لابد له من أن يغمز من باب شؤون الأسرة وحقوق وواجبات أفرادها فكتب عن حقوق المرأة وحجابها.

نظراً لكثرة كتبه ومؤلفاته، فإني سأكتفي بالحديث عن أفكاره من خلال ما قرأته في كتابه : ” الإسلام ومتطلبات العصر”. من أول ما استرعى انتباهي في هذا الكتاب هو دخوله على هذا الموضوع من باب ضرورة أن يتزود الباحث بالمعرفة الصحيحة للدين الإسلامي الذي ليس هو فقط عبارة عن علاقة الإنسان بربه، وإنما كفلسفة اجتماعية وايديولوجية إلهية، ونظام فكري واعتقادي بناء وشامل وباعث على السعادة. هذه المقاربة التقى بها الشهيد مطهري مع ماكان قد ذكره البيجوري في شرحه على جوهرة التوحيد حين عرف الدين الإسلامي بأنه ” وضع إلهي سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات” ، ففلسفة الإسلام الإجتماعية والإيديولوجية التي ذكرها الشهيد مطهري هي ما تشتمل عليه من نظام فكري واعتقادي شامل يستمد قوته ومصداقيته من كونه إلهي، وغاية هذا النظام هو الإنسان الذي إن آمن به واتبعه تحققت له السعادة وعمّ خيره على المؤمنين به . فانطلاقاً من هذه المعرفة الصحيحة  بالدين يشعر الإنسان بضرورة الإلتزام بتعاليمه وبمبادئه السامية حتى تتحقق له السعادة في حياته الآنية والاخروية.

         إلى جانب هذه الضرورة في الإلمام الصحيح بالدين الإسلامي هناك ضرورة أخرى للوقوف على متطلبات العصر وهي ضرورة معرفة ظروف العصر ومتطلباته، والتفريق بين ماهو ناشئ عن التطور العلمي والصناعي، وبين ظواهر الإنحراف وأسباب الفساد والإنحطاط.

إذا توصلنا إلى هذه المعرفة كما يقول الشهيد مطهري فإننا نستطيع حينها أن نوافق بين الإسلام كدين يشتمل على العقائد والعبادات والمنهج الحياتي المثالي وبين متطلبات العصر. فليس صحيحاً ما يقوله البعض بأن الدين الإسلامي ومتطلبات العصر متناقضان لايجتمعان، إذ يدعون بأن الدين هو ظاهرة ثابتة تتعلق بالماضي السحيق لاتقبل التطور، أما الزمن فهو متطور بذاته وطبيعته تقتضي التجديد والتغيير. والحقيقة هي أن الدين الإسلامي مع ثبات مبادئه وعقائده إلا أن نظامه التشريعي يتصف بمرونته وقابلتيه لمجارات التغيرات التي طرأت خلال الحقبات التاريخية  التي مر بها على مختلف العصور. فإذا أردنا أن نحكم على الإسلام ومتطلبات العصر فالسبيل الوحيد إلى ذلك هو أن نتعرف على الإسلام نفسه ونستوعب روح قوانينه، ونطلع على نظامه الخاص في التشريع.

للتوصل الى ذلك ينطلق الشهيد مطهري من الآية القرآنية 🙁 إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). قبول هذه الأمانة من قبل الإنسان ورفضها من قبل المخلوقات الأخرى يفسره أن هذه الأخيرة تنطلق من الإتجاهات الغريزية في بناء حياتها وممارسة مهامها بما أودعه الله بها من قدرة خفية نعجز عن معرفتها، وأما الإنسان فعلى العكس تماماً فهو قد أوتي قدرة عظيمة نسميها العقل والإبداع بما تحمله هذه الأخيرة من معاني التجديد وابتكار خطط جديدة في الحياة أو الإتيان بشئ جديد غير موجود فعلاً. فمتطلبات العصر مثلاً لاتتبدل عند الحيوان في حين انها تتبدل عند الإنسان، كما أن عامل الزمن ليس له مطلق أهمية عند الحيوان بعكس الإنسان. من أجل ذلك كان الإنسان مسؤولاً ومكلفاً وهو صانع عصره وهو الذي يؤثر على زمانه بالإحسان أحياناً والإساءة أحياناً أخرى.

وعلى افتراضية الاستفسار عن موقفنا من التطورات الحاصلة من الزمن، هل نسايرها أم نعارضها، يجيب الشهيد مطهري بأنه لاينبغي لنا أن نسايرها تمام المسايرة ولا نعارضها كذلك، ويشرح ذلك بأن الزمن هو صنيع الإنسان، وبما أن الإنسان يستطيع أن يكيف زمانه نحو الأحسن كما يستطيع تغييره نحو الأسوأ، إذاً ينبغي مسايرة التطورات الحاصلة في الجهة الأفضل وعدم مسايرة بل الأجدى معارضة التطورات الحاصلة في الجهة الأسوأ. ولمعرفة ما يمكن اعتباره تقدما وصلاحا أو تخلفاً وفساداً فالمعيار في التشخيص مرده العقل المبني على المعرفة والمبني على العلم النافع المفيد للبشرية لا العلم الهادم المهدم للأخلاق والقيم والمستخدم لاسترقاق الشعوب واخضاعهم والتحكم بمصائرهم .

ومن أجل معرفة الإسلام على حقيقته ينطلق الشهيد مطهري بتقديم الإسلام من داخل مذهبيته الأمينة لمذهب أهل البيت عليهم السلام حصراً دون أن يعترف لغيرهم من المسلمين بافتراضية صوابهم، كما سبق للإمام الشافعي قوله : “قولنا صواب يحتمل الخطأ وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب”. ففي ثنايا كتابه أفرد أبواباً عن الإفراط والتفريط ووسطية الإسلام والعقل وطريق الإعتدال والخوارج والإخبارية وعوامل تطهير الفكر الإسلامي ، مما استدل فيه على أحقية مذهب أهل البيت وخطأ غيرهم في فهم الإسلام وتقديمه للآخرين.

فبالإفراط والتفريط يعني هذه التيارات الفكرية التي ظهرت في العالم الإسلامي حيث كان بعضها متشدداً متطرفاً في غير الموضع المناسب، في حين كان البعض الآخر مرناً معتدلاً في غير الموقع المناسب. وقد أطلق الشهيد مطهري على مثل هذا اللون من التطرف جهلاً ونقيضه جموداً. ويضرب مثلاً للإفراط ما كان يقوم به الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد بدى له بأن النبي كان يسن سنناً وكان عمر يخالفها ويسن سنناً أخرى بحجة انها تخص عصر النبي، والزمن في تغير وتبدل. ومن أمثلة ذلك استبداله لجملة “حي على خير العمل” التي تقال في وسط كل أذان بعبارة “الصلاة خير من النوم” خلال أذان الفجر وذلك حتى لايتبادر إلى ذهن الجنود بأن الصلاة خير من الجهاد فيتلكئوا عن القيام بواجب الجهاد. وقد غاب عن ذهن الشهيد مطهري بأن مصادر الحديث المعتمدة عند أهل السنة ترجع هذا التغيير إلى النبي نفسه وليس إلى عمر بن الخطاب. وأن الشيعة أنفسهم قد غيروا أيضاً في عبارات الأذان وأضافوا شهادة أن علياً ولي الله، وهي لم تكن تقال في زمن النبي والخلفاء الذين جاؤوا من بعده. ولكن ماذا يقول الشهيد مطهري عن هذا التصرف من قبل الخليفة عمر بن الخطاب، يسميه تطرفاً وتزمتاً بل جهلاً نابعاً من عدم التفكير أو عن التفكير المشوه والمبتور، وأنه تطاول على الدين وتلاعب بأحكامه بذريعة تبدل الزمن وتطور الأوضاع وهو الخليفة الذي فتحت بعهده معظم الدول الإسلامية والذي يلقبه المسلمون السنة بالفاروق عمر بن الخطاب.

ومن أمثلة الإفراط أيضاً في الوقت المعاصر يضرب الشهيد مطهري مثلاً صائباَ وموفقاَ ما اقترفه الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة من إساءة إلى الدين الإسلامي حيث تطاول على أحكام الشرع وطالب الناس ألا يصوموا متذرعاً أنه يؤثر على سير العمل باضعاف قوة العامل، إضافة إلى أمور أخرى كثيرة لم يذكرها المؤلف عن تصرفات هذا الرئيس المتحدية للدين الإسلامي.

وأما وسطية الإسلام الذي ينأى به عن الإفراط والتفريط فتشخيصه هو دفع الضرر الذي يصدر عن الأصدقاء والأعداء بل ربما ضرر الأصدقاء هو أشد وقعاً وتأثيراً من ضرر الأعداء لأنه يرتكز على تصورات واهية وآراء هزيلة لاتعتبر في مقياس الشهيد مطهري اجتهاداً وإنما جهلاً كما في المثالين السابقين عند الكلام على الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن الحبيب بورقيبة. ويضرب الشهيد مثلاً آخر هو تحريم لحم الخنزير فإنه ولو توصلت الوسائل التعقيمية الحديثة إلى القضاء على كل ما ينقله للإنسان من أمراض فإن علة تحريمه تبقى قائمة وذلك لوجود علة تحريمية خفية إلى جانب العلة التي توصلنا إلى معرفتها، وبذلك لا يلتفت إلى رأي الذين يطالبون بتغيير الحكم الشرعي لانتفاء الضرر وجرياً وراء التقدم العلمي في هذا المجال، وهذا المثل ينطبق أيضاً على تحريم الخمر.  ومن الأمثلة التي ساقها مطهري هي الحالة التي تكرست خلال الحرب العالمية الأولى والتي تهدف إلى إثارة النعرات القومية وتهييجها من أجل تقسيم وتفتتيت الدولة الإسلامية تحت شعار التقدم ومواكبة العصر مما دفع بأتاتورك إلى رفض التراث الديني للإسلام والغاء الكتابة بالأحرف العربية ظناً منه بأنهما سبباً من أسباب تأخر تركيا وعدم مواكبتها الحركات الإصلاحية التي حدثت في أوروبا.

وأما موضوع العقل وطريق الإعتدال فيتطرق إليه الشهيد مطهري ليحذر من التصرفات الصبيانية المتعلقة بإدراج المسلمين السنة للقياس كمصدر من مصادر التشريع لديهم وهو الذي توسعت به مدرسة الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان الأكثر انتشاراً في الدول الإسلامية والأكثر تطبيقاً لديها وهي المدرسة التي اعتمدتها السلطنة العثمانية خلال فترة حكمها للدول الإسلامية، واستقت منها المجلة العثمانية أحكامها التي مازالت تطبق إلى الآن في أكثر الدول العربية. من خلال هذه المقاربة يذكر الشهيد المطهري أموراً خاطئة عن الفكر القانوني لدى المسلمين السنة، ولكن ليس المجال هنا لمناقشة أدلته ، فأكتفي بقوله بأن المذهب الحنفي هو مثال على الإفراط والمذهب الحنبلي هو مثال على التفريط ، أما المدرستان الشافعية والمالكية فلا تمثلان الطريق الوسط بل هما مزيج من التزمت والجهل. وللرد عليه أقول بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل عن اجتهاد هؤلاء المسلمين بتصرفات صبيانية وجاهلة ولكنه قال : “من أجتهد فأصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر”، وقال أيضاً : “إختلاف أمتي رحمة” . وما كان منهج أبو حنيفة منهجاً صبيانياً وهو الذي تتلمذ في مجالس الإمام جعفر الصادق بل كان مذهبه من أكثر المذاهب الإسلامية ملائمة لظروف العصر والأكثر قرباً إلى مذهب الإمام جعفر الصادق، وكنت أفضل لو تكلم الشهيد مطهري عن أدب الإختلاف عند الفقهاء الكبار بدل أن ينهال عليهم بالإتهامات ويصفهم بالجهل المطبق والحركات الصبيانية والقصور الذهني، فبفضل اختلافهم ارتقى الفقه الإسلامي إلى أعلى المراتب باعتراف الأكثرية العظمى من المستشرقين والقانونيين الغربيين بل ويعود الفضل إلى الفقه المالكي في التأثير مباشرة على القانون المدني الفرنسي حيث شكل نواة لهذا القانون ابتداءً من الثورة الفرنسية وكذلك الأمر بالنسبة للفقه الحنفي فيما خص كثير من أحكام القانون الدولي. وعلى كلٍ فإن اجتهادات الفقه الجعفري تتلاقى دائماً مع إجتهادات أحد المدارس الفقهية السنية. ولكن الشهيد المطهري يعود وينصف أئمة المذاهب السنية ويمدحهم لمواقفهم أمام الحكام ويصفهم بأنهم من مفاخر الإسلام.

وفي الباب الذي خصصه عن الخوارج فهو يمهد لهم بنقده اللاذع للمدرستين الفكريتين المعتزلة والأشعرية، فهو لم يفرق عند حديثه عن هذه المدرسة الأخيرة المتبعة عند أهل السنة وخاصة الشافعية بين الاتجاهات الفكرية داخلها أو على مفترقها فالحشوية أو المشبهة أو المجسمة داخل المدرسة الحنبلية هي التي تفسر الآيات القرآنية التي تتحدث عن ذات الله بمنحى مادي غير تأويلي وأن والمدرسة الأشعرية خالفت مذهب الحشوية في مسألة التجسيم والتشبيه. وأما الخوارج  الفئة الضالة في التاريخ الإسلامي فيتكلم عنها بطريقة سردية تحليلية ويبين خطأ اعتقاد اتباعها ومحاربتهم للإمام علي عليه السلام ، وكانت للشهيد مطهري وقفة رائعة حين ذكر بأنه لو كان مناصراً للإمام علي فلا تصدقوا بأن موقفه سيكون ثابتاً لوكان الله قد قدر له أن يكون في زمن الإمام ومن يدري فقد لا يتجرأ ويشترك معه في حرب النهروان ، وذلك لأن علياً قاتل أناساً قائمين الليل صائمين النهار وجباههم متقرحة من كثرة سجودهم لإي شخص يجرأ أن يقاتلهم أن لم يكن الإمام علي نفسه الذي كان يعرف خطرهم على الأمة الإسلامية.

وعن عوامل تطهير الفكر الإسلامي تحدث الشهيد مطهري عن وجود أجهزة التصفية والتعقيم في هذا الفكر، وأن أولى هذه الأجهزة هو القرآن الكريم وثانيها هو السنة النبوية الشريفة المتواترة والمقطوع بصحتها ، ويأتي من بعدها العقل.

ومن بعدها انتقل إلى الحديث عن الإخبارية التي ظهرت داخل المذهب الشيعي الإمامي وسيطرت على أفكار الشيعة ما قارب القرنين أو الثلاثة قرون، ولم تترك عملاَ شنيعاَ الا وارتكبته من إشعال حرب وقتل وأمثالهما، وحالياَ فعدد هذه الفرقة قليل جداً. ومن آراءهم أن الإجتهاد والتقليد بدعة وأنه ينبغي العودة إلى الأخبار الواردة مباشرة وهي مقسمة إلى صحيحة وهي التي يكون جميع ثقاتها من الشيعة الموثقين، والموثقة وهي التي يكون رواتها من غير الشيعة ولكنهم موثقون، والحسنة فرواتها شيعة لكن لم يثبت صدقهم، والضعيفة هي من غير الموثقين لدى الشيعة. وهذه الفرقة هاجمت علماء الشيعة الكبار مثل الطوسي والحلي واعترضت على اقحام العقل في أمور الدين حيث أن العقل يخطأ آلاف المرات، وأن القرآن الكريم أسمى من أن يفهمه الناس العاديون، ويتوقف فهمه على الأئمة عليهم السلام وهم وحدهم يفهمونه ، وكانونا يتلاعبون في القرآن تحريفاً وتبديلاً حتى اكتمل عندهم قرآن خاص يلتقي ووجهاتهم وأوشكوا على طباعته إلا أنهم لم يوفقوا ومنعوا من ذلك.

 

وفي الباب الذي خصصه لمتطلبات العصر يتكلم الشهيد مطهري عن قضية الإنسجام مع متطلبات العصر واستيعاب ظروف تطوره بعيداً عن التطرف والجهل والجمود والتحجر. فيطرح عدة أسئلة : هل ان كل ظاهرة جديدة صحيحة، وتصب في صالح البشرية وسعادتها؟ هل أن البشرية خلقت بشكل يكون فيه كل شيء جديد في صالحها ولأجل تقدمها؟ الا يمكن ان تؤدي تلك الظاهرة الجديدة على الإنحراف والتردي؟ للإجابة عن هذه الأسئلة يؤكد الشهيد مطهري بأن ظواهر كل زمان يمكن أن تكون في صالح البشرية ويمكن ان لاتكون، ودليل ذلك وجود إنسان مصلح ينهض ضد عصره وآخر رجعي ينهض ضد عصره أيضاً، وأن هذه الظواهر الجديدة إما تحمل صبغة التقدم أو صبغة الإنحطاط، ولذلك فلا يمكن التسليم بوجوب الإنسجام مع العصر وتطوراته ومتطلباته بشكل كامل وشامل ولابد من أن تحسب لكل ظاهرة حسابها وتقوّم التقويم الصائب، فإذا كانت صحيحة أخذنا بها وإذا كانت خاطئة رفضناها دون أن نعير لذوق الأكثرية أي حساب يذكر إلا إذا توافقت مع المعايير الصحيحة . ويقدم الشهيد مطهري مثلاً عن ذلك وهو حد السرقة في الإسلام فإذا كانت معظم دول العالم ترفضها اليوم فلا يعني ذلك أنها غير ذات فائدة أو أنها مخطئة. وفي المقابل فإن هناك حاجات هي محور النشاط الإنساني وهي تفرض نفسها ولابد من اشباعها وموقف الإسلام منها موقف ايجابي ولايحول دون تحقيقها كمثل المزارع الذي يستخدم الجرار بدل المحراث في حراثة الأرض. فالوسائل الحديثة يمكن أن تستخدم في تحقيق اهداف مشروعة أو غير مشروعة مثل مكبر الصوت، أو المذياع والتلفاز فالمؤاخذة على من يستعمل هذه الأجهزة لتحقيق هذا الهدف أو ذاك.

    وهذا ما ينطبق على موقف الدين من الحداثة ، فإن كانت هذه الحداثة من أجل الوصول إلى أهداف مشروعة وإشباع حاجات أولية للإنسان، وتسهيل شبكة اتصالاته ومواصلاته مع باقي أفراد المجتمع الإنساني العالمي ، فلا بد من كونها ضرورية وواجبة الإتباع، وإن كانت سوف تستخدم لفرض سياسات معينة وإخضاع شعوب ضعيفة على حساب شعوب أخرى أكثر تطوراً ، وفرض لغة عالمية واحدة فهي منبوذة وينبغي اجتثاث الجوانب السلبية منها، والدفاع عن تحقيق ايجابياتها واتساع منفعيتها.

الشهيد مرتضى مطهري كان عالماً وفياً لمذهب الإمامية الإثناعشرية وصاحب رأي سديد في كثير من المسائل ، وإن كنت اخالفه في بعض المسائل فهذا يعود إلى قناعتي بأن الإختلاف الفكري بين المذاهب قد حقق الأنفعية للدين الإسلامي ، فما لم يجد له صدى واقناعاً عند فقيه أو باحث أو مفكر فإنه قد يلاقي إقبالاً واقناعاً عند آخر. وأما في نطاق الحديث عن الخلاف السني الشيعي فأنه مع محبتنا نحن أهل السنة لأهل بيت النبوة عليهم السلام، فإننا نحمل بداخلنا حباً للخلفاء الأربعة الأوائل الذين نجلهم ونقدر مكانتهم وأسبقيتهم وفضلهم في الإسلام، ولا نشرعن مطلقاً -كمسلمين سنة – لمن خرج عن شرعية الخليفة الرابع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام واستولى على مقاليد الحكم وجعله وراثياً، ولا نقول بموضوع الفتن التي مزقت العالم الإسلامي في ذلك الوقت إلا كما قال الخليفة عمر ابن عبد العزيز : تلك دماء طهر الله منها أسيافنا، فلا نلطخ بها ألسنتنا “.  

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...

هل يُعَدّ صمود إيران اليوم انتصاراً… أم تأجيلاً لحسمٍ أكبر؟

في الحروب الكبرى، لا تُقاس النتائج دائماً بعدد الضربات أو حجم الخسائر في اللحظات الأولى. فالتاريخ العسكري يُظهر أن المرحلة الأولى من أي مواجهة غالباً ما تكون مرحلة الصدمة، حيث...

موقفٌ مشرّف لأهل السنّة مع إخوانهم الشيعة النازحين

في أوقات الرخاء قد يختلف الناس في السياسة، وتتباين آراؤهم في الشأن العام، وتعلو الأصوات أحيانًا في جدالاتٍ لا تنتهي. لكن حين تهبّ العواصف الكبرى، وحين تضيق الأرض على أهلها بفعل...