الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

في زمن التشكيك….خطاب يعيد المعنى للوطن

كارولين ياغي

في زمنٍ انهارت فيه المعايير، وانكفأت المؤسسات، وبات الوطن رهينة الخوف والانقسام، يعلو صوت واحد يذكّرنا بما تبقّى من كرامة الدولة: الجيش.

اليوم، عشية عيده الثمانين، لم يكن خطاب الرئيس جوزف عون مجرد تحية للمؤسسة العسكرية. كان إعلان نية، بيان مشروع، وقَسَم متجدّد. لم يخاطب اللبنانيين بعبارات إنشائية، بل بخطابٍ تاريخي حافل بالدلالات، يُفترض أن يكون موضع قراءة معمّقة لا موضع تشكيك. فالرجل لم يأتِ إلى الحكم من كواليس الأحزاب ولا من أروقة الصفقات. جاء من تراب الميدان، ومن مدرسة الانضباط والتضحية، تلك التي لا تُخرّج زعماء بل قادة.

في لحظة انهيار سياسي واقتصادي وأخلاقي، شدّد الرئيس عون على “حصرية السلاح بيد الجيش والقوى الأمنية دون سواها”، في موقف هو الأول من نوعه بهذا الوضوح من موقع رئاسة الجمهورية. موقفٌ يدعو لإعادة الاعتبار للشرعية، ولرأب الفجوة بين الدولة والشعب، بعدما كادت البنادق غير النظامية تلتهم ما تبقّى من السيادة.

هو يعرف تماماً أن لا استقرار من دون أمن، ولا أمن من دون جيش، ولا جيش إن بقي وحده في الميدان من دون غطاء سياسي ودعم شعبي. من هنا، يجب أن يُمنح الرئيس الوقت اللازم للعمل. ليس من باب التبرير، بل من باب العقل. ففي دولة من دون مؤسسات حقيقية، لا يكون الحل بتصفية ما تبقى، بل بالرهان على من لا يزال واقفاً. ومن غير المنصف أو المسؤول انتقاده من لحظته الأولى، وهو الذي قال بصدق: “للجيش فضلٌ كبيرٌ عليّ ودَينٌ أكبر… ربّاني على حب الوطن، من دون اجتزاء، وعلى حب الشعب من دون شعبوية، وعلى حب الله من دون طائفية”.

من وزارة الدفاع، خاطب الجنود ودموع الوطن في عينيه. استعاد البطل محمد فرحات، ابن الجنوب الذي احتضنته كنائس الشمال، في مشهد لبناني جامعٍ لا يحتاج لمؤتمرات حوار ولا لوثائق تفاهم. دم فرحات وحده كان كافياً لكتابة دستور آخر، غير الدستور الورقي الذي تُنتهك بنوده كل يوم. قالها الرئيس بوضوح: “شعبٌ يستحق الحياة، لا يترك من قدّموا دماءهم لأجله يسقطون مرتين… مرةً في الدفاع عنه، ومرةً بالنسيان أو المساومات”.

هذا الخطاب ليس مجرد كلمات. هو خارطة طريق تُعبّر عن نية سياسية مختلفة. فالرئيس الآتي من صفوف الجيش يُدرك أن التحديات كثيرة، وأن إسرائيل ما زالت تحتل، وتقصف، وتمنع الإعمار، وتخرق السيادة، وأن الفساد الداخلي لا يقلّ خطراً. لكنه يملك أيضاً الوعي بأن “كل من سقط دفاعاً عن الوطن… هو ذخرٌ لنا في مسيرتنا نحو وطنٍ مستقل، مستقر، مزدهر وعصري”.

من هنا، فإن دعم هذا العهد لا يعني صكّ براءة مطلقة، بل منح فرصة لمن يستحق. فالرئيس لم يتحدث من فوق الشعب، بل بإسمه، ومعه. لم يتبرأ من الجيش بل اعتبره مرآة الشعب، واعتبر الوفاء له جزءاً من الوفاء للوطن.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة لرموز تُوحّد لا تُفرّق، تُطَمْئن لا تُرهب، تبني لا تُساوم. بحاجة إلى من يقول لنا: هناك من لا يزال يؤمن أن لبنان يستحق الحياة.

الرئيس جوزف عون قالها بوضوح، وبلغة لا تحتاج إلى ترجمة: “الوفاء لأرواح من سقطوا دفاعاً عن الوطن وللقضية التي ارتقوا من أجلها، يقتضي أن نوقف الدمار… والانتحار”. فهل نُحسن الإصغاء؟

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...