منذ أن خرج اسمها إلى العلن، لم تكن قوات الدعم السريع كياناً غريباً في تاريخ السودان الحديث، بل كانت استمراراً لمسار دموي بدأ باكراً في دارفور. الاسم تغيّر، الزي تغيّر، واللافتة القانونية تغيّرت، لكن الجوهر بقي على حاله: قوة أُنشئت خارج منطق الدولة، ثم جرى إدخالها قسراً إلى جسدها، لا لتقويته بل لإبقائه هشاً، قابلاً للابتزاز والانفجار.
الجنجويد، الذين عُرفوا بعد 2003 كأداة قمع واغتصاب وحرق وتهجير، لم يُحاسَبوا يوماً داخل السودان، ولم تُفتح ملفاتهم بجدية، بل جرى التعامل معهم على أنهم “ضرورة أمنية”. هذا المنطق نفسه هو الذي مهّد لتحويلهم إلى ما سُمّي لاحقاً قوات الدعم السريع. التحويل لم يكن تفكيكاً ولا إصلاحاً، بل إعادة تغليف. السلاح نفسه ،العقليةنفسها ، الذاكرة الثقيلة المليئة بالقرى المحروقة نفسها والجثث المجهولة الأسماء.
اليوم، وبعد أكثر من عقدين على دارفور، يعود المشهد بأشكال مختلفة وأماكن جديدة، لكن برائحة واحدة. تقارير حقوقية، وشهادات ميدانية، وصور لا يمكن إنكارها، تتحدث عن انتهاكات واسعة تُنسب لقوات الدعم السريع: قتل خارج القانون، اغتصاب، نهب، تهجير قسري. ما تغيّر هو أن الجرائم لم تعد محصورة في هامش جغرافي بعيد عن المركز، بل باتت في قلب المدن، أمام الكاميرات، وأمام عالم يدّعي أنه تعلّم من دروس الماضي.
في هذا السياق، تتداول الأوساط السياسية والإعلامية أخباراً متزايدة عن دعم خارجي تتلقاه هذه القوات، وعلى رأسه اتهامات متكررة للإمارات العربية المتحدة بتقديم دعم سياسي أو لوجستي أو مالي. هذه الأخبار، بصرف النظر عن دقتها القانونية ، لم تعد هامشية. تكرارها، وتقاطُع مصادرها، وظهورها في تقارير وتحقيقات دولية، يجعلها جزءًا من سؤال أكبر: من يموّل استمرار العنف في السودان؟ ومن يرى في الميليشيا أداة نفوذ أكبر من الدولة السودانية؟
لكن التاريخ يمتلك شواهد كثيرة. من يظن أن القوة المسلحة تمنح حصانة دائمة، لم يقرأ جيداً ما جرى مع علي كوشيب. الرجل الذي كان رمزاً لبطش الجنجويد، ومثالاً على الإفلات من العقاب، انتهى في قفص المحكمة الجنائية الدولية. لم يشفع له السلاح، ولا التحالفات، ولا سنوات الرعب التي صنعها. العدالة تأخرت، نعم، لكنها وصلت، وان كنا نظن أن الحكم 20 عاماً بالسجن مخفف ، نظراً لكم الجرائم التي ارتكبها كوشيب .
محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، يسير على الطريق ذاته، حتى لو بدا اليوم في ذروة نفوذه. المسافة بين القائد الميداني والرجل المطلوب دولياً أقصر مما يظن. العالم الذي كان يتغاضى، بدأ يدوّن. الذاكرة التي كانت تُطمس، صارت محفوظة بالصوت والصورة. والجرائم التي كانت تُرتكب في الظل، باتت موثّقة، مؤرشفة، قابلة لأن تتحول في أي لحظة إلى لوائح اتهام.
ليس هذا رهاناً أخلاقياً فقط، بل قراءة سياسية بامتياز. الميليشيا لاتبني دولة. والدعم الخارجي لا يغيّر حقائق القانون الدولي. ما حدث بعد 2003 لم يُغلق، بل ظل مفتوحاً، ينتظر لحظة المحاسبة. وما يجري اليوم تكرار أكثر فجاجة، وأقل قدرة على التخفي.
قد يطول الطريق، وقد تتبدّل التحالفات، لكن النهاية معروفة. قفص المحكمة هو المصير والنهاية لكل متآمر على أرضه وأبناء شعبه، بغض النظر ان كان الاسم الجنجويد ام الدعم السريع ، فالجريمة نفسها والفاعل ذاته والضحية شعب السودان العظيم .


