السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
25°C
غيوم متفرقة
AdvertisementAdvertisement

ماذا يريد ترامب؟ جائزة أوسكار، أم جائزة نوبل للسلام، أم إنقاذ أمريكا؟

الاقتصاد هو أساس حياة المجتمع البشري، أما السياسة فهي مشتقة من الاقتصاد. هذه بديهية لا تحتاج إلى برهان. لفهم العمليات السياسية، بل وللتنبؤ بها، لا بد من امتلاك معرفة جيدة بالاقتصاد الكلي.
حين أسمع أحاديث عن إمكانية عقد صفقة بين الولايات المتحدة وروسيا، أو حتى مع الصين، أو قصصًا عن احتمال “إعادة تشغيل” أمريكا وإصلاحها لتستعيد قوتها وهيمنتها، أدرك أن أصحاب هذه الأوهام يعيشون في عالم من المخططات الافتراضية والإنشائية المجردة، التي لا صلة لها بالواقع.
العملية الأساسية الجارية الآن في العالم هي أزمة فائض الإنتاج. فالصين والغرب ينتجان أكثر مما تستطيع البشرية شراءه، حتى بالاعتماد على القروض (إذ بلغت القدرة الائتمانية للكوكب حدّها الأقصى). ونتيجة لذلك، في نهاية هذه الأزمة يجب أن ينخفض الإنتاج (والاستهلاك) بشكل كبير، ربما بمقدار الثلث وربما حتى النصف. وكل السياسة العالمية اليوم تدور حول سؤال وحيد: أيٌّ من المركزين الرئيسيين للإنتاج، الصين أم الغرب، سيضطر إلى تقليص إنتاجه واستهلاكه، ثم يمر بانهيار سياسي ستكون عواقبه كارثية، يمكننا استشرافها من خلال تجربة انهيار الاتحاد السوفياتي؟
جميع الصراعات الأخرى الكبرى، بما فيها الصراع بين روسيا والغرب على الأراضي الأوكرانية أو الصراع بين “إسرائيل” و العرب والمسلمين، ليست سوى جزء من هذا الصراع الأكبر، ولا يمكن تسويتها من دون تحديد المنتصر في الصراع الرئيسي: الولايات المتحدة أم الصين.
هذا الصراع المركزي هو الذي يفرض المنطق ويحدد زاوية النظر في تحليل معظم ما يحدث على المستوى السياسي الكوني.
وأضطر إلى القول إن تحركات دونالد ترامب تبدو فوضوية ،ولا تتناسب مع أي سيناريو واقعي.
يحاول ترامب مع روسيا تحقيق المستحيل؛ فهو بحاجة إلى إخراج موسكو من شراكتها – أو على الأقل من موقفها المتعاطف – مع الصين، لأن أي حصار بحري للصين (والذي تملك AUKUS القدرة على تنفيذه) سيجعل من روسيا عمقًا استراتيجيًا قويًا وجسرًا حيويًا لبكين إلى بقية العالم. وطالما أن روسيا والصين تدعمان بعضهما في المواجهة مع أمريكا، فهما عصيتان على الهزيمة.
لكن المعادلة يمكن أن تُقرأ بالعكس: فروسيا يسهل خنقها اقتصاديًا (إذا استبعدنا خيار الحرب النووية) إذا ما قطعت صلتها بالصين. وبعبارة أخرى، في اللحظة التي تُبرَم فيها صفقة بين واشنطن وموسكو بخصوص وقف دعم الأخيرة لبكين، تفقد واشنطن في الحال أي حاجة للتفاهم مع موسكو، لأنها تصبح عندئذٍ شديدة الهشاشة.
إذن، صفقة بين روسيا وأمريكا ضد الصين أمر مستحيل. وهو مستحيل أكثر مع ترامب، الذي قد يتحول خلال عام إلى “بطة عرجاء” أو حتى يفقد السلطة تمامًا. وفوق ذلك، مع انقسام النخبة الأمريكية، صارت الولايات المتحدة غير قابلة للتفاوض أصلًا، لأن بوصلة السخط الشعبي تُنقِل السلطة بالتناوب بين قوى متناقضة، تغير المسار السياسي كل مرة إلى النقيض.
في الوقت نفسه، أطلقت إدارة أوباما عبر الانقلاب في أوكرانيا عام 2014 مواجهة مع روسيا، والخروج منها لا يكون للولايات المتحدة إلا عبر النصر أو الهزيمة. فلا خيار ثالث، لأن الحرب بلغت من العمق والتضحيات والخسائر الاقتصادية ما لا يمكن تعويضه إلا على حساب الخصم. وأي “تعادل” سيُعتبر في وعي شعبي البلدين هزيمة، بما يفضي شبه حتميًا إلى هزات سياسية خطيرة. لذلك فإن تجميد الصراع مستحيل أو شبه مستحيل.
بناءً عليه، فإن استمرار الحرب مع روسيا دون حسم واضح هو بالنسبة لترامب الوضع الطبيعي “افتراضيًا”. فلا الصفقة ممكنة، ولا النصر ممكن، ولا الهزيمة مقبولة. إنه مأزق كامل.
بالأمس أعلن ترامب أن أمريكا لن تنفق المزيد من الأموال على أوكرانيا.
عمليًا، وعلى الرغم من الخلافات الظاهرية، يبقى الغرب اقتصاديًا موحدًا، وكذلك سياسيًا – إذ تستطيع أمريكا التحكم في جيوب الأوروبيين. فهي تفرض الجزية على أوروبا، وترامب قد ينفق تلك الأموال على الاستثمارات داخل أمريكا ،أو على تمويل الحرب مع روسيا. وبذلك، ليس مهمًا كيف تتوزع النفقات بين واشنطن وأوروبا، فالمهم هو المحصلة النهائية المشتركة.
ولذلك، فإن تصريحات ترامب الأخيرة تمثل خبرًا إيجابيًا لروسيا، لكن لا ينبغي التسرع بالقول إن أمريكا تنسحب من أوكرانيا. فطالما أن أوروبا قادرة على تمويل وتسليح أوكرانيا، بما في ذلك شراء السلاح الأمريكي، فإن أمريكا تواصل حربها مع روسيا.
لكن ليس هذا هو بيت القصيد.
إن كان هدف ترامب محاولة إنقاذ أمريكا، فلا بد أن يستخدم الميزة الوحيدة المتبقية لواشنطن: القوة العسكرية. ففي جميع المجالات الأخرى، خسرت الولايات المتحدة بالفعل.
“القوة الناعمة” بدأت بالانهيار في أبو غريب وغوانتانامو، وانتهت نهائيًا مع الجنون المفروض على العالم عبر أجندة المثلية وأزمة “الفنتانيل “التي تركت ملايين المدمنين في الشوارع الأمريكية.
أما القدرة على بناء التحالفات فتحولت إلى عبء ابتزاز الحلفاء ومحاولة البقاء على قيد الحياة عبر تسريع أزماتهم.
وفي الاقتصاد، خسرت أمريكا المنافسة مع الصين، ومحاولات الشركات الأمريكية نقل إنتاجها من الصين إلى الهند أو فيتنام أو دول مشابهة لن تزيد إلا عدد المنافسين الناجحين وتسارع وتيرة تفكك الصناعة الغربية.
الحرب التجارية التي بدأها ترامب تضر بأمريكا أكثر من غيرها، إذ أدت إلى تضخم متزايد وتقويض النظام الاقتصادي العالمي الضروري لهيمنة الدولار.
وبالتالي، فإن ترامب، إذا كان يريد إنقاذ أمريكا حقًا، ينبغي له ألّا يسعى لتسوية النزاعات، بل لتدمير الكوكب، أي إسقاط الدول الأخرى إلى مستوى أدنى من المستوى الذي ستسقط إليه أمريكا نفسها. لقد كان ينبغي له في ولايته الأولى أن يبدأ حربًا مع الصين تحت أي ذريعة. هكذا تملي القوانين الصارمة للاقتصاد، إذ لم يعد لأمريكا أدوات أخرى لتغيير الموقف.

لكننا بدل ذلك نرى تقلبات من النقيض إلى النقيض – بلا نتائج – في العلاقات مع روسيا، وتجميدًا مؤقتًا للحرب مع إيران، ومساعٍ “سلامية” وانتصارات افتراضية، وحيلًا تهدف إلى إقناع الناخب الأمريكي أكثر مما تهدف إلى معالجة جوهر المشكلة. ترامب يقاتل من أجل السلطة على ظهر “تايتانيك” المنطلق بأقصى سرعة نحو جبل جليدي.

إنه مأزق كامل: ترامب لا يعرف ماذا يفعل، أو أنه غير قادر على فعله. وهذا كله يسمى السيناريو القَطْري، حين يسعى الساسة لا إلى التأثير في مسار التاريخ بل إلى تأجيل نتائجه فحسب.

ولهذا توقفت عن متابعة تصريحات ترامب – إلا للتسلية لا أكثر. فلننتظر الاستفزاز الأوكراني-البريطاني الكبير المقبل، فلربما يُسرّع الأحداث. أما الآن فلا شيء يحدث في العالم: ترامب يواصل الركض في دوائر بلا جدوى.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...

كوزو أوكاموتو الرجل الذي أحرج العرب ، الآتي من خلف البحار لنصرة فلسطين، رحل.

عام 1972، كان كوزو أوكاموتو شابًا يابانيًا في ربيع العمر، في الخامسة والعشرين من عمره. ترك بلاده وأهله، والتحق مع اثنين من رفاقه: تسويوشي أوكودايرا ياسويوكي ياسودا وبقدر ما يصعب...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...

23 يوليو يوم في تاريخ الأمة لا مثيل له

في مثل هذا اليوم من عام 1952 عبرت الأمة العربية كلها إلى المستقبل حين تحركت طلائعها في مصر لاستلام السلطة، ولوضع هذا البلد العربي المركزي في مكانه الصحيح، المكان الذي فرضته عليها...