الإثنين، 14 سبتمبر 2026
بيروت
28°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

مراسم الاستقبال السياسي في محافظة إدلب

د_جمال_العبدالله

من جرّ العرباية
وحمل السيارة
إلى الرمي بالصرماية
السياسة لها تاريخٌ تكتبه الدساتير والانقلابات والانتخابات، ولها تاريخ آخر، أقل وقاراً وأكثر حياة، تكتبه الساحات والشوارع والجماهير.
وفي سورية، خلال القرن العشرين، ظهرت واحدة من أغرب لغات التعبير السياسي الشعبي: العربة أو السيارة التي تقلّ الزعيم.
فحين يبلغ الحماس ذروته، لا يعود التصفيق كافياً، ولا تكفي الهتافات مهما بحّت الحناجر؛ عندها قد يفك الناس خيول العربة ويحلّوا محلها، أو يرفعوا السيارة بمن فيها على الأكتاف، وكأن الطريق إلى قلب الشعب لا بد أن يمرّ، حرفياً، فوق أكتافه.
أما إذا انقلبت الحفاوة إلى رفض، فالأمر لا يحتاج إلى بيان سياسي مطوّل؛ تصبح السيارة أو المنصة نفسها هدفاً لما تصل إليه اليد: بندورة… أو حذاء.
ولمحافظة إدلب نصيب لافت من هذه الحكاية، لكن لفهم الظاهرة لا بد أن نبدأ من دمشق وحلب.

1.من عربة غورو إلى عربة هنانو
بعد معركة ميسلون ودخول الفرنسيين دمشق سنة 1920، يروي خالد العظم (1903–1965) في مذكراته، مستنكراً، أن بعض المستقبلين فكوا خيل عربة الجنرال الفرنسي غورو (1867–1946) وجرّوا العربة بأنفسهم.
وهكذا دخلت «عربة غورو» الذاكرة السياسية السورية؛ رواية مشهورة أثبتها خالد العظم في مذكراته، وبقيت مثالاً مبكراً على أن السوري إذا اشتد حماسه قد يقرر أن الحصان أصبح زائداً عن الحاجة.
لكن ما يُروى عن دمشق تحقق بصورة أوضح في حلب سنة 1922.
فعندما أعلنت المحكمة العسكرية الفرنسية براءة إبراهيم هنانو (1869–1935)، خرج من السجن برفقة محاميه فتح الله الصقال (1893–1970)، وركبا عربة يجرها حصانان.
عندها اندفعت الجماهير الحلبية، وفكّت الحصانين، وجرّت عربة هنانو بنفسها حتى منزله في باب جنين، فيما كانت النساء تزغرد وترش العربة بماء الزهر وعطر الورد.
وكأن حلب ردّت، بعد عامين، على المشهد المنسوب إلى دمشق: إذا كانت عربة المحتل قد جُرّت بالأيدي، فإن عربة قائد الثورة أولى بالأيدي والأكتاف وماء الزهر أيضاً.

2 ثم جاءت السيارة
مع منتصف القرن العشرين، اختفت عربة الخيل تقريباً من المواكب السياسية، وحلّت محلها السيارة المكشوفة والكاديلاك الرئاسية.
لكن الطقس الشعبي القديم لم يختفِ؛ فالخيول خرجت من الصورة، أما الحماس فبقي في مكانه.
وانتقلت العادة ببساطة من العربة إلى السيارة.
وكانت سنوات الوحدة السورية المصرية ذروة هذه الظاهرة.
عندما جاء جمال عبد الناصر (1918–1970) إلى دمشق سنة 1958، انتقل مع الرئيس شكري القوتلي (1891–1967) في سيارة واحدة من منزل القوتلي نحو قصر الضيافة.
والمسافة لم تكن تتجاوز نحو مئتي متر، وهي مسافة يقطعها المرء مشياً في دقائق، لكن عندما تدخل الجماهير في الحسابات تصبح قوانين المسافة والسرعة أمراً ثانوياً.
فقد أحاطت الحشود بالسيارة حتى استغرق قطع المسافة أكثر من ساعة، ووفق شهادة عبد المحسن أبو النور (سنة الميلاد غير موثقة–2005) التي أكدها عبد الكريم النحلاوي (1926– )، صاحب انقلاب الانفصال، حملت الجماهير السيارة على أكتافها.
ويؤكد النحلاوي أن المشهد تكرر لاحقاً في حمص.
ولم تتوقف الظاهرة عند دمشق وحمص.
ففي دير الزور يروي إبراهيم علوان أن الأهالي وضعوا أعمدة خشبية تحت سيارة عبد الناصر المكشوفة، ثم حملوها على الأكتاف.
أي إن الجماهير لم تكتفِ هذه المرة بالعاطفة، بل أضافت إليها شيئاً من الهندسة الإنشائية أيضاً.
ويضيف علوان أن المشهد تكرر في حلب.
وهكذا كادت السيارة المحمولة على الأكتاف تصبح واحدة من الصور الملازمة لاستقبال جمال عبد الناصر في سورية.

3.سيارة عبدالناصر وسيارة اكرم الحوراني
إدلب تدخل المشهد
وصل عبد الناصر إلى منطقة إدلب في جولته السورية سنة 1959، وكان الاستقبال الشعبي ضخماً جداً.
وفي معرة النعمان تحفظ الذاكرة المحلية مشهداً بالغ الدلالة:
لم يحمل الناس سيارة عبد الناصر فحسب، وإنما تروي إحدى الشهادات أنهم حملوا قبلها سيارة أكرم الحوراني (1911–1996) أيضاً.
وهنا خرجت العادة من ارتباطها بشخص عبد الناصر؛ فقد صار حمل السيارة بحد ذاته علامة شعبية على أقصى درجات التكريم والحماس.
فمن الواضح أن أهل المعرة، في ذلك اليوم، لم يكونوا راغبين في ترك مهمة النقل للعجلات وحدها.
4.سيارة محافظ ادلب
وفي مدينة إدلب تروى قصة مشابهة عند وصول عبد الغني جمال (1927-2007)، أول محافظ لإدلب، سنة 1960.
والثابت أن استقبال الرجل كان استثنائياً، حتى قورن باستقبال عبد الناصر نفسه، وتحفظ الذاكرة الإدلبية رواية حمل المستقبلين لسيارته.
أي إن إدلب وريفها لم يكونا مجرد متفرجين على هذه العادة، بل أصبحا جزءاً أصيلاً منها.

5.رفع سيارة حافظ الاسد مرتين
1978 و1984… السيارة تُرفع من جديد
لم تنتهِ الظاهرة بانتهاء الوحدة.
فهناك صورة أرشيفية واضحة تحمل عنوان:
«حمل سيارة حافظ الأسد (1930–2000) في شوارع دمشق عام 1978»
وتظهر استمرار هذا النوع من مراسم الاحتفاء السياسي بعد عقدين من زمن عبد الناصر.
ثم تكرر المشهد بصورة مختلفة سنة 1984، بعد تعافي حافظ الأسد من أزمته الصحية وعودته إلى مزاولة عمله.
وتروي شهادة محمد علي الأتاسي (1967– ) أن سيارة الأسد الكاديلاك المصفحة رُفعت على الأكتاف، لكن الذين قاموا بذلك هذه المرة كانوا من المرافقة الخاصة والحرس الجمهوري.
وهنا تتغير دلالة الصورة قليلاً.
فما بدأ تعبيراً شعبياً عفوياً، يمكن أن يتحول مع الزمن إلى طقس سياسي منظم يعيد إنتاج صورة الزعيم المحمول على الأكتاف.
فالفرق كبير بين جمهور يهجم على السيارة من تلقاء نفسه، وبين مرافقة تعرف مسبقاً أين تمسك بالكاديلاك.

6.الاستقبال على الطريقة الريحاوية
تحفظ الذاكرة المحلية في أريحا رواية ساخرة عن زيارة الرئيس تاج الدين الحسني (1885–1943)، تقول إن الأهالي جمعوا عند مدخل البلدة الحمير والكلاب الشاردة في استقبال ساخر، حتى قيل إنه عدل عن متابعة الزيارة.
وهنا يبدو أن أهل أريحا اكتشفوا مبكراً أن البروتوكول السياسي لا يحتاج بالضرورة إلى فرقة موسيقية؛ أحياناً تكفي بضعة حمير وكلاب شاردة لإيصال الرسالة كاملة.

7.الاستقبال على الطريقة المعراوية
ثم جاءت البندورة
بعد الانفصال عن مصر، مر الرئيس ناظم القدسي (1906–1998) في معرة النعمان سنة 1962.
وتروي الذاكرة المحلية أن محتجين أخذوا يقذفون سيارة الرئاسة بأقراص البندورة.
وبذلك أصبحت السيارة نفسها أداة قياس للمزاج السياسي:
ترفعها الجماهير عندما تريد أن تقول: أهلاً وسهلاً،
وترشقها بالبندورة عندما تريد أن تقول شيئاً آخر، من دون الحاجة إلى صياغة بيان من عشر صفحات.

8.«الصرماية» في ساحة هنانو
ولعل أشهر حوادث الاستقبال السلبي في ذاكرة مدينة إدلب وقعت مع حافظ الأسد في مطلع حكمه سنة 1971.
وأثناء إجرائي مقابلة هذه السنة مع السيد جميل اللاطة ابو معمر امد الله في عمره عضو مجلس الشعب السابق وأمين فرع الاتحاد الاشتراكي في إدلب لمدة عشرين عام تقريبا، والذي ذكر أنه كان حاضراً في ذلك اليوم، قال إن حافظ الأسد وقف مع مرافقيه ومسؤولي المحافظة فوق المركز الثقافي القديم المطل على ساحة هنانو.
وكان الحزب الناصري قد حشد مستقبلين من خان شيخون والمعرة ونقلهم بباص سكانيا كبير مليئ إلى ادلب المدينة، ومن هذا الباص جاء رجل اسمه ديب السعيد ( وقد توفي منذ فترة وهو من المعرة وناصري قديم.)ويبدو أن الرجل لم يكن مقتنعاً بأن الهتاف وحده يعبّر بما يكفي عن موقفه السياسي، ثمة شجرة عالية كانت مقابلة للمنصة التي يقف عليها الضيوف.فتسلق ديب السعيد الى أعلى ما يمكن فخلع حذاءه وطيّره باتجاه رأس حافظ الأسد.
وبعدها وقع اشتباك بين الشرطة العسكرية والحرس القومي من جهة والناصريين في الساحة من جهة أخرى
ومع مرور السنوات تضخمت الرواية في الذاكرة الشعبية، فأصبحت تتحدث عن البندورة والأحذية والشحاطات، وهناك شهادات إدلبية أخرى تقول إنها شاهدت الأحذية تتطاير نحو المنصة.

وهكذا امتلكت إدلب طرفي الطقس السياسي معاً:
سيارات تُحمل على الأكتاف… وزعماء تستقبلهم الأحذية.
9.ومن إدلب إلى بغداد: حذاء منتظر الزيدي
وبعد نحو أربعة عقود، خرج الحذاء من نطاق الحكاية المحلية ليصبح واحداً من أشهر مشاهد الاحتجاج السياسي في العالم.
في 14 كانون الأول 2008، وقف الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش (1946– ) في بغداد يعقد مؤتمراً صحفياً إلى جانب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي (1950– )، بعد أكثر من خمس سنوات على الغزو الأميركي للعراق.
فنهض الصحفي العراقي منتظر الزيدي (1979– )، وقذف نحو بوش حذاءه الأول.
انحنى بوش فتفاداه.
ثم أطلق الزيدي الحذاء الثاني، فيما حاول المالكي اعتراضه بيده.
كانت الكاميرات تعمل، فتحولت في ثوانٍ حركة احتجاج فردية إلى صورة شاهدها العالم كله، وإلى واحدة من أشهر الصور السياسية التي خرجت من العراق بعد الاحتلال.

وإذا كان حذاء ديب السعيد في ساحة هنانو بقي في ذاكرة إدلب، فإن حذاء منتظر الزيدي امتلك ميزة لم تكن متاحة سنة 1971:
البث التلفزيوني العالمي.
10.وهل حمل السيارات عادة سورية؟
لا.
إنها جزء من ظاهرة أوسع ظهرت مع السياسة الجماهيرية الحديثة في القرن العشرين.
ففي الأرجنتين سنة 1916، عند تنصيب الرئيس هيبوليتو إيريغوين (1852–1933)، اندفعت الجماهير في بوينس آيرس إلى عربته، وفكت الخيول منها ودفعت العربة بنفسها حتى القصر الرئاسي.
أي إن الحصان المسكين لم يكن ضحية الحماس السياسي السوري وحده.
والواقعة مثبتة في الصحافة الأرجنتينية وفي الدراسات التاريخية.
11.وفي العالم العربي، بعد حرب حزيران سنة 1967، تجمع حشد في عمّان حول سيارة الملك حسين (1935–1999)، ورفع سيارة الكاديلاك التي كان يستقلها وحملها عدة أمتار تعبيراً عن التأييد له، بحسب تقرير معاصر لمجلة تايم.
12.وفي العراق، تروي مجلة الثقافة الجديدة أن الجماهير الفقيرة حملت سيارة عبد الكريم قاسم (1914–1963) وضيفه الياباني على الأكتاف أثناء زيارة منطقة «خلف السدة» في بغداد.

إذن فالمشهد لم يكن حكراً على بلاد الشام، وإن كان السوريون قد مارسوه بحماسة لافتة:
من عربة هنانو إلى سيارة عبد الناصر، ومن الحوراني إلى حافظ الأسد.
وقد تكون السيارة في النهاية مجرد قطعة حديد، لكنها في تلك اللحظات لم تكن كذلك.
كانت منصة سياسية متحركة.
إذا حملها الناس، حملوا صاحبها رمزياً فوق رؤوسهم.
وإذا قذفوها بالبندورة، أنزلوه رمزياً من مكانته.
وإذا طار الحذاء نحو المنصة، أصبحت الرسالة أوضح من خطبة كاملة، وأقصر كثيراً.
13.
خاتمة
من عربة غورو، إلى عربة إبراهيم هنانو؛ ومن سيارات عبد الناصر والحوراني المحمولة على الأكتاف، إلى سيارة حافظ الأسد؛ ومن الكلاب الشاردة في أريحا، وبندورة المعرة، وحذاء ديب السعيد في ساحة هنانو بإدلب الذي طار باتجاه رأس حافظ الأسد، وصولاً إلى حذاء منتظر الزيدي الذي طار فوق رأس جورج بوش في بغداد…
ظل الشارع يملك بروتوكوله الخاص.
فالبروتوكول الرسمي قد يحدد مكان الرئيس، وعدد الحرس، وترتيب السيارات، ومن يقف في الصف الأول.
لكن الجمهور، في لحظة الحماس أو الغضب، قد يعيد كتابة البرنامج كله:
قد يلغي الخيول، ويرفع السيارة، ويستبدل باقة الورد بحبة بندورة، وقد يصل الأمر، عند الضرورة، إلى الحذاء.
فالاستقبال الرسمي تنظمه الدولة، أما الاستقبال الذي يبقى في كتب التاريخ والذاكرة الشعبية…
فيصنعه الناس.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ضربة موجعة للموساد الإسرائيلي

قد تظن للوهلة الأولى أن هذه امرأة مسلمة محجبة تجلس بجوار ابنتها الشابة بكل حنان وبراءة! لكن ستكتشف عكس هذا تماماً وستصدم عندما تعرف أنك أمام أخطر وأخبث امرأة … هذه السيدة...

صحيح

القناة 12 العبرية: تعرضت طائرة MQ-9، التي كانت رمزاً للتفوق الجوي الأمريكي في العقود الأخيرة، لضربات موجعة في الحرب ضد إيران. ووفقاً لتقارير رسمية وتسريبات من البنتاغون، فقد...

الشراع سبقت بالنشر

وسائل إعلام إسرائيليّة: “يديعوت أحرونوت”: تم الطلب من الإمارات نفي المعلومات عن تحذيرها نتنياهو من عملية للسنوار قبل 7 أكتوبر لكن أبو ظبي لم تنف وسائل إعلام...

من الذي ورط علي حسن خليل ؟

ضج لبنان ، وخصوصاً اهل الجنوب ، وبالأخص حضن المقاومة الذي يشمل جمهور حزب الله وحركة امل وكل وطني لبناني معاد للعدوان الصهيوني على وطنه ومواطنيه …بصاعقة اقامة النائب العضو في حركة...

صدمة ، صدمات !!

قال إعلام صهاينة الداخل ( مسلمين ومسيحيين ) ان مؤسسة “القرض الحسن ” خبأت ذهب المودعين في تلة علي الطاهر … اين الذهب ؟ كتب إعلام صهاينة الداخل ( مسلمين ومسيحيين ) ان...

صحفي صهـــيونـ.ـي: خلافات خفية تهدد "كتلة التغيير" والمعركة بدأت على رئاسة الحكومة

قال الصحفي “الإســـ.ـرائـيـلي” يهودا شلزينغر، في مقال له في موقع “والا”، إن خلف الواجهة الموحدة لكتلة “التغيير” تختبئ مخاوف وتراكمات، مشيرًا...