السبت، 7 مارس 2026
بيروت
11°C
غيوم متفرقة
AdvertisementAdvertisement

مقال مهم حول القضايا الساخنة إيران ولبنان: تجارب متقاطعة ومسارات متباينة.

 

الجمهورية الإسلامية في إيران التي تعاصرنا في تجربتها، وتعيش إلى جوارنا في منطقتنا وتتشكل من قوميات وأعراق وعشائر وطوائف كثيرة، احتوت منذ لحظة ولادتها أحزاباً وتنظيمات بعضها مسلحة ومناهضة، وكذلك تولدت فيها معارضات عديدة بأشكال مختلفة ودرجات متفاوتة، فمنهم من كان يرفض الثورة من أساسها ويقول أن قيام أي دولة إسلامية قبل ظهور الإمام المهدي المنتظر، هو أمر يفتقد الشرعية الدينية، ومنهم من يرى أن الجمهورية الإسلامية في طرحها الأولي كانت خطوة جيدة ولكن الممارسات التي قام بها القائمون على هذه الجمهورية بعد ذلك قد حرفت الدولة عن مسارها الصحيح، ومنهم من يقول بأن الجمهورية الإسلامية في حياة الإمام الخميني رضوان الله عليه كانت تسير على الصراط المستقيم لكن بعد رحيله أخذت منحى آخر، ومنهم من يعتقد أن القيادة بعد وفاة الإمام الخميني أمسكت بقوة بقيادة السفينة لكن الوقائع الداخلية والتطورات الخارجية طوال السنوات فرضت عليه التعامل معها على خلاف رغبتها بل وقناعاتها، لكن هذه القيادة تُمسك بمفاصل الدولة والنظام وهي تصوّب المسار كلما شعرت بالخطر الجدي يقترب من الأصول التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية.
ثم إن المعارضات المتعددة الوجوه والتنظيمات المختلفة التوجهات والأفكار وبعد فترة قصيرة من انتصار الثورة قد اصطدم بعضها بالكيان ،ووصلت في بعض الأحيان إلى حدّ المواجهات الشعبية الواسعة في الشارع وحتى العنيفة والمسلحة، وتمّت على أثر ذلك اعتقالات لرموز أساسية في تركيبة النظام الجديد سواء على مستوى كبار العلماء في الحوزات الدينية ،أو المتصدين لمواقع تشريعية وتنفيذية مهمة، وكذلك فُرضت الإقامة الجبرية على شخصيات ورموز قيادية مدة سنوات؛ لكن لمّا شنّ صدّام حسين حربه على إيران عام ١٩٨٠ توحدت جميع القوى والأطراف على اختلاف توجهاتها في مواجهة العدو الذي اعتدى على الوطن، أما الذي تردد في الأمر وتواطأ مع صدّام فقد لفظه الشعب كله واضطر للإلتحاق به والعيش في كنفه، لكن فرضت التطورات بعد ذلك أن ” يتشحشط ” قياداته وأعضاؤه في بقاع الأرض ليصل بهم الأمر في النهاية إلى أن يقعوا في أحضان الصهاينة بصورة كاملة ،بل ويدافعوا عن جرائمهم الوحشية في فلسطين عموماً ،ويبرروا حتى عمليات الإبادة الجماعية في غزة على وجه الخصوص.
ولقد توسعت وتنوعت المعارضات بعد وقف الحرب وبالأخص بعد وفاة الإمام الخميني وطوال فترة قيادة آية الله خامنئي، وشهدت إيران مواقف حادة صدرت من شخصيات وأطراف مهمة، وحصلت مواجهات عنيفة في الشارع مرات عديدة كلّفت ضحايا، وعبر المشاركة في الإنتخابات البلدية والنيابية والرئاسية المتعددة ظهرت توجهات أكثرية الشعب الإيراني ،فنجح مرشحون غير محبذين مرات وأحجمت الأكثرية مرات عن المشاركة فعبّرت بذلك عن موقفها، لكن ما أن أطلق الكيان الصهيوني أول صاروخ على إيران حتى تجمدت كل المعارضات وتوحدت الصفوف وأعلن الجميع على اختلاف مشاربهم وأفكارهم وقوفهم صفاً واحداً، والملفت أن الطيران الصهيوني قام بهاجمة سجن ” إوين ” الذي يحوي عدداً كبيراً من المعتقلين لكي يعطي لهم الفرصة للخروج والتحرك مستغلين الغطاء الأمريكي والصهيوني، وعقب اغتيال عدد كبير من القيادات الرئيسية العسكرية ومهاجمة عدد كبير من المواقع المهمة العسكرية والنووية، لكن لم يفرّ أحد من المعتقلين من السجن بل قُتل منهم أكثر من ٨٠ وبقي الآخرون تحت سلطة القضاء فتكفلت هي بنقل الجرحى إلى المستشفيات للمعالجة ،وقامت بنقل الباقين مؤقتاً إلى سجون أخرى وأعيدوا إلى سجن ” إوين ” بعد ترميمه، وهكذا أخفقت المؤامرة الأمريكية ـ الصهيونية ضد النظام في إيران بعد ١٢ يوماً فقط على نشوب الحرب، وبعد فشل تحالف ترامب ـ نتنياهو وحلفاؤهما والعملاء بالداخل في اختراق صفوف الشعب الإيراني، بل ولما اخترقت الصواريخ الإيرانية البالستية المتطورة والمسيرات الإنتحارية كافة أنظمة الدفاع الجوي المتطورة الصهيونية والأمريكية والعربية ،وأصابت ودمّرت المراكز المهمة والحيوية في الكيان والتي تتكشف يوماً بعد يوم أعدادها الكثيرة وأهميتها الفائقة.
وغير بعيد عن تجربة إيران التي عرضنا موجزاً عنها نأتي إلى لبنان الذي هو بدوره يحوي طوائف ومذاهب متعددة ومجموعات سياسية وحزبية مختلفة، تنشط مرة ويخفت صوتها مرة، وتتمّ توافقات وتحالفات في مناسبات انتخابية بلدية ونيابية وحتى رئاسية بين القوى المتعارضة فكرياً ودينياً و طائفيا بل والمتحاربة بشراسة في فترات ماضية عسكرياً سواء كان ذلك فوق الطاولة وبصورة علنية أو من تحت الطاولة من دون التصريح بها، لكن هذه الروحية مع الأسف لا نجدها تسري لدى هذه القوى نفسها عند حصول اعتداء من جانب العدو الخارجي والصهيوني المجرم على وجه الخصوص ،حيث يغزو البلاد في كل مرّة ويعتدي على المواطنين ويدمّر القرى والبيوت ويتلف المحاصيل الزراعية ويحرق الأحراج ويخترق السيادة الوطنية في البرّ والجوّ والبحر، ويغتال أمام أعين العالمين من تشاء من القيادات المجاهدة، وحتى أنها تصطاد المواطنين العاديين الذين يسيرون على الطرقات بسياراتهم ومركباتهم ،بل وهم يمشون على أقدامهم، بل وقام العدو في مرحلة باحتلال منطقة واسعة من لبنان وتسليم أمرها إلى مجموعة من ضباط وجنود الجيش اللبناني الذين يأتمرون بأوامره لكنهم في تلك الحال كانوا يقبضون أيضاً رواتبهم من قيادتهم اللبنانية كلٌ بحسب رتبته العسكرية، ولم يصدر بحق هؤلاء العملاء الخونة أية إجراءات قضائية وعسكرية بسبب تمردهم على الدولة اللبنانية وتنفيذهم أوامر وخطط العدو الصهيوني، بل والتقى مع هؤلاء العملاء بعد فرارهم إلى ” إسرائيل ” بعد الهزيمة النكراء عام ٢٠٠٠ رأس الطائفة المارونية البطريرك بشارة الراعي لما زار الكيان المحتل، وكذلك تولى قسّ ماروني نقل الأموال من ” قِبَلهم ” إلى الداخل اللبناني بصندوق سيارته مستغلاً حصانته الدينية.
ولقد وصلت الأمور إلى حدّ تغزل أطراف تدّعي الدفاع عن السيادة بممارسات العدو المحتل في الإحتلالات المختلفة، بل وتهديدهم المواطنين الذين يختلفون معهم بالعدو الخارجي في كل مناسبة، فتارة يقولون: إذا لم ترضخوا لإرادتنا فهذا العدو الصهيوني يكسر شوكتكم، ومرة يطالبون بتسليم السلاح وإلاّ فالعدو الصهيوني يتكفل بالأمر من خلال القصف الجوي بالطائرات والمسيرات لمختلف القرى والمدن على كامل مساحة لبنان، بل وهؤلاء الذين يدّعون حرصهم على السيادة الوطنية ” يبلعون ” وصف المبعوث الأمريكي لهم ومن على منبر رئاسة الجمهورية بأنهم حيوانات، بل ويحاول المنظرون منهم تبرير وتفسير موقفه الوقح هذا على الرغم من أنه عاد وأصرّ على مقولته، بل إن رئيس الجمهورية يستقبل المبعوثة الإمريكية وهي تارة تضع على صدرها قلادة نجمة داوود الصهيونية، وتارة تَضع في إصبعها خاتم عليه نجمة داوود وتصافح بها رئيس الجمهورية اللبنانية، كل ذلك من دون أي اعتراض، والأهم من كل ذلك أن المبعوث الأمريكي يهدد بإلحاق لبنان كله بسورية ،وجاء ذلك بعدما دمّر الكيان الصهيوني كل مواقع الدولة السورية العسكرية والأمنية وصارت دباباته تجول في شوارع قريبة من العاصمة دمشق ويقيم جنوده حواجز عسكرية حيثما يريدون ويعتقلون ويخطفون من يشاءون جهاراً نهاراً، أو أن المبعوث هذا يلمّح إلى أنه في حال لم ينبطح اللبنانيون أمامه خاضعين مستسلمين بإمكانية مهاجمة الأراضي اللبنانية من الجهة الشرقية عبر حشود المرتزقة الأجانب القادمين من كل كدب وصوب، كل ذلك وجميع ” السياديين ” لا يصدر منهم أي موقف إدانة لهذه المواقف والتصريحات بل إنهم يقيمون للمبعوث الأمريكي الذي وصفهم” بالحيوانات” الولائم الفاخرة ويشارك فيها عدد كبير من نواب المجلس اللبناني والوزراء اللبنانيين الحاليين والسابقين، والأهم من كل ذلك أن الجيش اللبناني الذي تكلف بأمر تسلّم سلاح المقاومة يجب عليه تدمير تلك الأسلحة، فور العثور عليها ويُمنع من وضعه في مخازنه أو الإستفادة منها ..
إن أوطاننا الحالية قد تشكلت وتحددت حدودها قبل قرن من الآن، بقرار المحتلين البريطانيين والفرنسيين وغيرهما، وقد تكرست عبر العقود والسنين تلك الحدود وتقبلت الشعوب في تلك البلاد هذا الواقع، وأصبحت تؤمن بأن الدفاع عن حدود الوطن واجب، ويقع أمر الدفاع في الدرجة الأولى على الجيش في كل وطن، وفي حال حدوث غزو أو احتلال لهذا الوطن فإنه من الواجب على جميع المواطنين أن يقاوموا الغازي والمحتل بكل ما يملكون من القوة، وإن أي تساهل أو تواطؤ في أمر المقاومة هو خيانة عظمى يعاقب عليها القانون في كل بلد وتصدر بحق المتواطئين أشد العقوبات والإعدام في بعض الحالات؛ لكن في لبنان نجد مجرماً قاتلاً لشعبة مشاركاً في غزو البلاد مع المجرم شارون ينتخبه نواب المجلس رئيساً للجمهورية، ورئيس الجمهورية اللبنانيةً يصادق على اتفاقية الإذعان للعدو الصهيوني ومجلس النواب يوافق بشبه إجماع عليها، والطائرات الحربية ومدافع البوارج الأجنبية تقصف البيوت والمناطق اللبنانية في الليل والنهار، ويفتخر بعض الأطراف بأن العدو الصهيوني والأمريكي لا يشملان في قصفهما المناطق التي يهيمنون عليها، بل يتباهون بأنهم منعوا بعض مواطنيهم الهاربين من قصف العدو من اللجوء إلى منازل أقربائهم أو بعض الغيورين في المناطق الخاضعة لنفوذهم، وفي حال فتح بعض المواطنين بيوتهم وأسكنوا إخوانهم في الوطن فإن المخبرين يُعلمون العدو المحتل فيقوم بمهاجمة المبنى وتفجيره على رؤوس النازحين، وأخيراً تصدح بعض الأصوات بالقول إن بعض اللبنانيين لا يشبه بعضه الآخر، وهذا يطالب بخروج فئة إلى العراق وإيران وذاك يطالب فئة أخرى بالمغادرة إلى فرنسا والولايات المتحدة والدول الغربية عموماً، وبكل وقاحة يوقّع البعض على عريضة تطالب الرئيس الفرنسي بالعودة إلى احتلال لبنان، ويباهي الرئيس الفرنسي بهذه العريضه أمام شعبه بعد عودته من بيروت.
الخلاصة إن لبنان صار اليوم بحاجة ماسة لتشكيل نظام جديد بالكامل فيعرّف الجميع ومن دون استثناء على المبادئ الوطنية الحقيقية ويُلزم مختلف الأطراف التقيد بالمعايير الوطنية هذه من دون تسامح أو مراعاة أو تفريق، ويضرب بيد من حديد على كل من يواطئ العدو الخارجي أو يستقوي به أو يعبّر عن موقف مؤيد له، ويدعم في المقابل أي شخص أو مجموعة تقاوم المحتل في حال تعرض الوطن للإعتداء والغزو، ويجب على كل مواطن في لبنان مهما كان دينه وطائفته ومذهبه وتوجهه الفكري والسياسي ،أن يقف صفاً واحدا مع أخيه في الوطن في وجه العدو من دون تردد، ولا يجوز التهاون في أمر الوحدة الوطنية في وجه العدو الغازي بل يجب مسارعة الجميع إلى التكاتف والوقوف متكاتفين لمقاومة هذا العدو ونبذ الأشخاص والأطراف الذين يترددون في أمر مقاومة ومواجهة المعتدي.
وإن هذا النظام الواجب تأسيسه لا يمكن أن يقوم إلاّ على أساس الإنتخاب الشعبي المباشر ومن دون تحديد طائفة لرئيس الجمهورية ورئيس المجلس ورئيس الوزراء وقائد الجيش ورئيس القضاء الأعلى وباقي المواقع الأساسية في البلد، حتى تقول أكثرية الشعب اللبناني كلمتها في من يُمسك بمقاليد الأمور لا أن يُفرض على نوابه المعدودين ومسؤوليه الخانعين اتخاذ قرارات ضد المصلحة الوطنية وتخدم مصالح العدو والدول الخارجية، وهذا الأمر قد حان وقته الآن بعدما انفضح الجميع وزالت الأقنعة عن الوجوه وتكشفت عورات النظام، وصار جليّاً عفن التركيبة الطائفية وخيانتها للوطن والمواطنين، ولا يقولن أحد بأن لا قوة لنا فأرضنا محتلة وبحرنا وسماؤنا تحت سلطة العدو، ووطننا تحت الحصار الإقتصادي الخانق، وبيوتنا تُفجّر وتُدمّر كل يوم، لكن التاريخ يثبت أن الأوطان الحقيقية تأسست فقط بالجهاد والتضحيات وبعد تحمل أنواع الصعوبات، بل إن الوطن الذي لا يأتي عبر ثورة الشعب وبجهاد الغيارى ومن خلال تحمل المشاقّ لا يقوى على مواجهة المعتدين ،ولا يحسب له أعداؤه أي حساب، ولا بد دائماً أن نؤمن بوعد الله في كتابه ( إن تنصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم ) صدق الله العلي العظيم

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

تفكك الأمم.

بعد انهيار الخلافة العثمانية-التركية-الاسلامية-السنية ،برز نجما تيارا القومية العربية والسورية كأمم مستقلة ،إضافة لسطوع نجم الأممية الشيوعية. فكرة الاتحاد الأوروبي ليست فكرة إنشاء...

للخلاص من شيطان العرب وانتقال الماسونية من دبي

يبدو أن الوقت حان لانتقال الماسونية من دبي، إلى موطن آخر بعد أن قام شيطان العرب محمد بن زايد بتخريب الوطن العربي والمجتمعات الإسلامية ، وحانت لحظة التخلص منه بالموت أو الإزاحة ،...

سنموت بعد قليل-1-

الذي يحشد 70الف جندياً منذ اسبوعين، هو الذي يطلق الحرب لا الصابر الصامد تحت النار . الذي يبرر للعدو الاصلي غدره ،يعرف تماما ان العدو الأصيل لم يوقف حربه منذ أربعة عشر شهراً ،...

هل دخل حزب الله الحرب إسنادًا لإيران أم مستندًا عليها؟

تُقرأ السياسة إمّا بعين الجاهل أو الحاقد، أو العبد المطيع. والوحيد الذي يصل إلى الحقيقة هو قارئ السياسة الحر. تأخّر حزب الله في الانخراط في الحرب على الكيان الصهيوني ،فليس سرًّا...

ماذا تعني معادلة صواريخ الليل؟

فجرالاثنين، في 2/3/2026,وبعد يومين على بداية العدوان الأمريكو صهيوني على إيران، انطلقت ستة صواريخ من لبنان باتجاه الكيان. وبعد أخذٍ وردّ، وعلى نحو ساعة، صدر البيان رقم واحد عن...

دماغ + دين = خطر على عبودية الغرب، فمن أجل هذا يجب سحق إيران.

لعل شعار «لا شرقية ولا غربية، جمهورية إسلامية» من أوائل الشعارات التي أطلقها الإمام الخميني ..ويتجلى اليوم في ما هو حاصل من استهداف لإيران. عندما أعلن الإمام هذا الشعار، أعلن فيه...