في مشهدٍ يتجدّد ولكن بحدةٍ متصاعدة، يعود الشرق الأوسط ليقترب من منطقة رمادية محفوفة بكل السيناريوهات. تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل ترسيخ تحالفهما الاستراتيجي، من دون مواربة في الهدف الأساس: إبقاء إيران تحت سقف الضغط، ومنعها من توسيع حضورها الإقليمي أو امتلاك عناصر ردع إضافية. هذا الضغط لا يتراجع حتى في لحظات التفاوض، التي يُفترض أن تكون مساحة للتهدئة، لا أن تُدار على إيقاع الاستعدادات العسكرية.
اللافت أن المسار الدبلوماسي لا ينفصل عن منطق القوة. فواشنطن تفاوض، لكنها في الوقت ذاته تعزّز انتشارها العسكري في مناطق بالغة الحساسية، ولا سيما في محيط مضيق هرمز. في المقابل، تنظر طهران إلى هذه التحركات باعتبارها أدوات ابتزاز سياسي أكثر منها ضمانات لخفض التوتر، فتلوّح بإمكانية الرد عبر ساحات متعددة، وكأن الإقليم بأكمله تحوّل إلى مسرح واحد لمواجهة مؤجّلة.
في خضم هذا المناخ المشحون، تكتسب زيارة قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل إلى واشنطن أهمية استثنائية، بما تحمله من أبعاد دقيقة ومعقّدة. فهي زيارة تتجاوز الإطار التقني أو البروتوكولي، لتدخل في صلب النقاش حول موقع الجيش اللبناني ودوره في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية. وفي صدارة هذه المحادثات، تبرز مسألة المساعدات العسكرية الأميركية، التي لم تعد منفصلة عن الحسابات السياسية والأمنية الأوسع، في ظل التصعيد مع إيران وتشابك المصالح في إطار التحالف الأميركي الإسرائيلي. وهو ما يضع لبنان أمام توازن دقيق بين حاجته الملحّة للدعم الخارجي وضرورة الحفاظ على هامش من الاستقلالية في زمن الاصطفافات الحادّة.
لا تقتصر المواجهة المطروحة اليوم على ثنائية إيران وإسرائيل، ولا على الصراع الأميركي–الإيراني فحسب. ما يتشكّل هو مشهد إقليمي مترابط، تتقاطع فيه خطوط التوتر من الخليج إلى العراق، ومن سورية إلى لبنان، وصولاً إلى البحر الأحمر. والحديث عن استهداف «كل الجبهات» لا يعني بالضرورة الذهاب إلى حرب شاملة، بقدر ما يعكس استعداداً لاستخدام النفوذ الإقليمي كوسيلة ردع أو كورقة ضغط تفاوضية في اللحظة الأخيرة.
أما لبنان، فليس بمنأى عن هذا المشهد. أي انفجار إقليمي واسع سينعكس عليه فوراً، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي. بلدٌ مستنزف بأزماته الداخلية، هشّ إلى حدّ بالغ الخطورة، لا يملك رفاهية التحوّل إلى ساحة رسائل أو صراع بالوكالة، ومع ذلك يجد نفسه مرة أخرى في قلب المعادلة الإقليمية المضطربة.
أخيراً يبقى السؤال معلّقاً: هل ما نشهده هو تصعيد مدروس هدفه تحسين شروط التفاوض، أم أننا أمام مسار انحداري قد يفضي إلى مواجهة تتجاوز حدود السيطرة؟ التجارب القريبة لا تدعو إلى كثير من التفاؤل، فيما يواصل اللبناني مراقبة هذه التحولات الكبرى بقلق مكتوم، آملاً أن تمرّ العاصفة بأقل الأضرار الممكنة.


