السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
26°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

نصيحة إلى دولة لبنان الشقيق

من القلب، ومن موقع الأخوة الصادقة التي لا تشوبها المزايدات ولا الحسابات الضيقة، أوجه كلمتي إلى لبنان الدولة والشعب، إلى من كانوا دوماً في وجدان السوريين بيتاً ثانياً ومتنفساً حراً في وجه القمع والظلم. إنّ ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا، وما بين دمشق وبيروت تاريخ من التداخل والدماء والذاكرة المشتركة، لا يجوز أن تُسمّمها سياسات الأنظمة ولا أن تفرّقها الأزمات.

لقد آن الأوان أن تُغلقوا جرحاً نازفاً طال أمده، جرح المعتقلين السوريين في السجون اللبنانية، أولئك الذين ما زالوا يدفعون ثمن لعبة سياسية قذرة لم يكن لهم فيها لا ناقة ولا جمل. إنّ استمرار هذا الملف مفتوحاً ليس إلا استمراراً لجريمة مزدوجة: جريمة بحق الإنسان وجريمة بحق العلاقة الأخوية بين بلدين جارين كتب عليهما القدر أن يتنفّسا هواءً واحداً ويتقاسما الوجع والأمل.

الجميع في لبنان يعلم أن هذه الاعتقالات لم تكن يوماً مسألة أمنية بحتة، بل هي امتداد لمرحلة سوداء من النفوذ السوري في لبنان، حين حوّل نظام بشار الأسد الأجهزة الأمنية إلى أدوات إذلال وتصفية حسابات سياسية. وما أشبه اليوم بالأمس حين نجد بعض القوى تحاول توظيف هذا الملف مجدداً، لا لحماية لبنان ولا لصون سيادته، بل لاستثمار المعاناة في بازار الطائفية والمزايدات الانتخابية.

أقولها بصراحة، ومن موقع العروبة الصادقة لا المواربة: إنّ النظام الذي ورّطكم في دمائكم قبل أن يورّطنا في دمائنا هو نفسه النظام الذي دقّ إسفين الطائفية في لبنان يوم كان حافظ الأسد يوزّع الولاءات بين الميليشيات ويغذّي الانقسام ليبقى المتحكّم في مفاتيح الحرب والسلم. وإنّ ابنه بشار لم يكن أقل إجراماً، فقد واصل النهج ذاته، بل أمعن في تحويل السوريين واللبنانيين معاً إلى رهائن لسلطة الخوف والفساد.

من حقّ لبنان أن يحمي حدوده، لكن من واجبه أيضاً أن يحمي كرامته، والكرامة لا تُصان حين يُحتجز الأبرياء بلا محاكمة أو حين يُترك المعتقل السوري عرضة للابتزاز أو النسيان. إنّ إغلاق هذا الملف بشفافية وإنسانية هو الموقف الذي يليق بلبنان الرسالة، لبنان الثقافة والحرية، لا لبنان العنصرية والمقايضات.

افتحوا السجون للعدالة، لا للانتقام. واجعلوا من هذا الملف فرصة لتصحيح مسار العلاقة بين الشعبين، لا وقوداً لتأجيج الغرائز. ولتكن الخطوة من بيروت، لا استجابة لضغوط الخارج، بل وفاءً لما في ضمير لبنان من قيم وحرص على العدل.

إنّ السوريين الذين عاشوا في لبنان وعملوا فيه وبنوا في أرضه البيوت والمشاريع، ليسوا غرباء ولا خصوماً، بل إخوة شاءت المأساة أن تُفرّق بينهم وبين أهلهم. فلتكن بادرة لبنان اليوم عنواناً للمروءة، لا استرضاءً لأحد، بل إكراماً لتاريخه هو.

أغلقوا هذا الجرح، أعيدوا الثقة إلى مكانها، وامنعوا كل من يريد أن يتاجر بدموع الأمهات وصبر المظلومين. إنّ الأخ لا يطعن أخاه، ولبنان الذي نعرفه لا يمكن أن يرضى أن يبقى بين جدرانه مظلومٌ يستغيث ولا مجيب .

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...

كوزو أوكاموتو الرجل الذي أحرج العرب ، الآتي من خلف البحار لنصرة فلسطين، رحل.

عام 1972، كان كوزو أوكاموتو شابًا يابانيًا في ربيع العمر، في الخامسة والعشرين من عمره. ترك بلاده وأهله، والتحق مع اثنين من رفاقه: تسويوشي أوكودايرا ياسويوكي ياسودا وبقدر ما يصعب...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...