ليس السُّؤال اليوم ما إذا كان سلاحُ المُقاوَمَة سيبقى أو سيُسلَّم إلى الدَّولة، بل السُّؤال الأخطر الذي يجب أن يطرحه كلُّ لبنانيٍّ بصدقٍ وشجاعة: ماذا بعد ذلك؟
لنفترض ــ جدلاً ــ أنّ سلاحَ حزبِ الله سُلِّم إلى الدَّولة اللُّبنانيّة، وأصبح في عهدةِ الجَيْش اللُّبنانيّ. عندها سيتحوّل هذا السلاح، من وجهةِ القانون الدُّولي، إلى سلاحٍ شرعيٍّ تملكه دولةٌ ذاتُ سيادة. لكن هل ستقبل إسرائيل بذلك؟ وهل ستسمح الولايات المتحدة بأن يمتلك الجَيْش اللُّبنانيّ الصواريخَ البعيدة المدى التي كانت جزءاً من منظومة الردع في لبنان؟
التجربةُ التّاريخيّة تقول شيئاً آخر تماماً.
فمنذ عقود، والجيشُ اللُّبنانيّ يُمنَع عمليّاً من امتلاك سلاحٍ استراتيجيٍّ حقيقيّ. لا طائراتٍ مقاتلةٍ حديثة، ولا منظومات دفاعٍ جوّيٍّ متطوّرة، ولا صواريخ بعيدة المدى قادرة على خلق توازن ردع. كلُّ ما يُقدَّم للبنان هو مساعدات محدودة: عربات، أسلحة خفيفة، تدريب، وبعض التقنيات المرتبطة بمكافحة الإرعاب. أمّا السلاح الذي يمكن أن يغيّر ميزان القوّة مع إسرائيل، فظلّ دائماً خارج المسموح.
وهنا تكمن الحقيقة التي لا يريد كثيرون قولها بصراحة.
لو انتقل السلاح الثقيل من المقاومة إلى الجَيْش، فإنّ الضغوط الدُّوليّة لن تتأخر. سيقال للبنان إنّ هذا السلاح “يزعزع الاستقرار”، وإنّ الصواريخ البعيدة المدى “تشكل تهديداً لإسرائيل”، وإنّ على الدولة اللُّبنانيّة أن تثبت حسن نواياها عبر تفكيك هذه المنظومات أو وضعها تحت رقابة دوليّة.
عندها سنجد أنفسنا أمام مفارقةٍ خطيرة:
لقد طُلِبَ نزعُ سلاحِ المُقاوَمَة باسم الدَّولة، ثم يُطْلَبُ من الدَّولة نفسها أن تُفرِّغ سلاحها من مضمونه.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل المشكلة كانت فعلاً في مَن يحمل السلاح، أم في وجود السلاح نفسه؟
إنّ القراءة الواقعيّة للتاريخ السياسي في المنطقة تشير إلى أنّ إسرائيل لا تقبل بوجود قوّةٍ عسكريّةٍ حقيقيّةٍ على حدودها الشماليّة، سواء كانت مقاومةً أو جيشاً نظامياً. المطلوب دائماً هو إبقاء لبنان في موقع الدولة الضعيفة عسكرياً، التي تملك جيشاً يحفظ الأمن الداخلي، لكن لا يمتلك القدرة على فرض توازن ردع إقليمي.
وهكذا يتحوّل النقاش من مسألة سلاح المقاومة إلى مسألة أخطر بكثير:
حقُّ لبنان في امتلاك قوّةٍ تحمي سيادته.
إنّ الدول لا تُبنى بالنوايا الحسنة وحدها، ولا تُحمى بالبيانات الدبلوماسية. الدول تُحمى بجيشٍ قويّ، وبقرارٍ سياديّ مستقل، وبإرادةٍ وطنيّةٍ تعرف كيف توازن بين الواقعيّة السياسيّة وكرامة الوطن.
ولهذا، قبل أن ينشغل اللبنانيّون بالسؤال: مَن يجب أن يحمل السلاح؟
عليهم أن يطرحوا السؤال الأهمّ والأكثر صدقاً:
هل يُراد للبنان أصلاً أن يكون دولةً قويّة… أم مجرّد ساحةٍ ضعيفةٍ في حسابات الآخرين؟


