الأربعاء، 24 يونيو 2026
بيروت
27°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

هَلْ يُطْلَبُ غَداً نَزْعُ سِلاحِ الجَيْشِ اللُّبْنانيّ إذا تم نَزْعِ سِلاحِ المُقاوَمَة؟

ليس السُّؤال اليوم ما إذا كان سلاحُ المُقاوَمَة سيبقى أو سيُسلَّم إلى الدَّولة، بل السُّؤال الأخطر الذي يجب أن يطرحه كلُّ لبنانيٍّ بصدقٍ وشجاعة: ماذا بعد ذلك؟

لنفترض ــ جدلاً ــ أنّ سلاحَ حزبِ الله سُلِّم إلى الدَّولة اللُّبنانيّة، وأصبح في عهدةِ الجَيْش اللُّبنانيّ. عندها سيتحوّل هذا السلاح، من وجهةِ القانون الدُّولي، إلى سلاحٍ شرعيٍّ تملكه دولةٌ ذاتُ سيادة. لكن هل ستقبل إسرائيل بذلك؟ وهل ستسمح الولايات المتحدة بأن يمتلك الجَيْش اللُّبنانيّ الصواريخَ البعيدة المدى التي كانت جزءاً من منظومة الردع في لبنان؟

التجربةُ التّاريخيّة تقول شيئاً آخر تماماً.

فمنذ عقود، والجيشُ اللُّبنانيّ يُمنَع عمليّاً من امتلاك سلاحٍ استراتيجيٍّ حقيقيّ. لا طائراتٍ مقاتلةٍ حديثة، ولا منظومات دفاعٍ جوّيٍّ متطوّرة، ولا صواريخ بعيدة المدى قادرة على خلق توازن ردع. كلُّ ما يُقدَّم للبنان هو مساعدات محدودة: عربات، أسلحة خفيفة، تدريب، وبعض التقنيات المرتبطة بمكافحة الإرعاب. أمّا السلاح الذي يمكن أن يغيّر ميزان القوّة مع إسرائيل، فظلّ دائماً خارج المسموح.

وهنا تكمن الحقيقة التي لا يريد كثيرون قولها بصراحة.

لو انتقل السلاح الثقيل من المقاومة إلى الجَيْش، فإنّ الضغوط الدُّوليّة لن تتأخر. سيقال للبنان إنّ هذا السلاح “يزعزع الاستقرار”، وإنّ الصواريخ البعيدة المدى “تشكل تهديداً لإسرائيل”، وإنّ على الدولة اللُّبنانيّة أن تثبت حسن نواياها عبر تفكيك هذه المنظومات أو وضعها تحت رقابة دوليّة.

عندها سنجد أنفسنا أمام مفارقةٍ خطيرة:
لقد طُلِبَ نزعُ سلاحِ المُقاوَمَة باسم الدَّولة، ثم يُطْلَبُ من الدَّولة نفسها أن تُفرِّغ سلاحها من مضمونه.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل المشكلة كانت فعلاً في مَن يحمل السلاح، أم في وجود السلاح نفسه؟

إنّ القراءة الواقعيّة للتاريخ السياسي في المنطقة تشير إلى أنّ إسرائيل لا تقبل بوجود قوّةٍ عسكريّةٍ حقيقيّةٍ على حدودها الشماليّة، سواء كانت مقاومةً أو جيشاً نظامياً. المطلوب دائماً هو إبقاء لبنان في موقع الدولة الضعيفة عسكرياً، التي تملك جيشاً يحفظ الأمن الداخلي، لكن لا يمتلك القدرة على فرض توازن ردع إقليمي.

وهكذا يتحوّل النقاش من مسألة سلاح المقاومة إلى مسألة أخطر بكثير:
حقُّ لبنان في امتلاك قوّةٍ تحمي سيادته.

إنّ الدول لا تُبنى بالنوايا الحسنة وحدها، ولا تُحمى بالبيانات الدبلوماسية. الدول تُحمى بجيشٍ قويّ، وبقرارٍ سياديّ مستقل، وبإرادةٍ وطنيّةٍ تعرف كيف توازن بين الواقعيّة السياسيّة وكرامة الوطن.

ولهذا، قبل أن ينشغل اللبنانيّون بالسؤال: مَن يجب أن يحمل السلاح؟
عليهم أن يطرحوا السؤال الأهمّ والأكثر صدقاً:

هل يُراد للبنان أصلاً أن يكون دولةً قويّة… أم مجرّد ساحةٍ ضعيفةٍ في حسابات الآخرين؟

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

هكذا فازت إيران

أكتب هذه السطور قبل التوقيع الرسمى النهائى فى “سويسرا” على مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية ، وكان قد جرى التوقيع الإلكترونى المتبادل عبر الوساطة الباكستانية المعززة...

تاجر العقارات في سوق السجّاد العجمي!

في واشنطن، لم تعد السياسة الخارجية تُصنع في الغرف المغلقة لمجلس الأمن القومي، بل أصبحت تُطبخ على عجل في كواليس منصة “تروث سوشال” بين تغريدة وأخرى. يبدو أن الرئيس...

مونديال الأغنياء… وماذا استفاد لبنان من منح الجنسية اللبنانية لجياني إنفانتينو؟

لست من عشاق كرة القدم، ولا يشغلني كثيراً من سيرفع الكأس أو من سيحقق اللقب. لكن ما يعنيني هو المواطن اللبناني الذي بات محرومًا حتى من أبسط وسائل الفرح والترفيه في وطنه. في بلدٍ...

رقصة الطائر المذبوح

نتنياهو يضرب الضاحية قبيل التوقيع ويسقط وحيداً أمام النار والاتفاق في اللحظة التي يُوقَّع فيها مصيره، يُطلق آخر رصاصاته على بيروت ، والمحور يُجهّز الرد المقدمة الطائر المذبوح...

حين يتحول الزواج إلى مشروع استثماري!

في كل مرة تُطرح فيها قضية تأخر سن الزواج في مصر، تتجه الأنظار مباشرة إلى الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. لا شك أن هذه عوامل حقيقية ومؤثرة، لكن...

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...