لا شك أن علماً كجبران خليل جبران مثّل مدرسة في تاريخ الشعر العربي ومنه شعر الغربة ، بما حملت نصوصه من أفكار وأحاسيس تخص هذا الموضوع ، فهذا العبقري الذي نشأ في الأرز انطلق الى العالم محمَلاً بروحانية الشرق ووجع أهله ، عانى من الغربة منذ طفولته ، وانطلق الى أميركا بحثاً عن تحقيق الذات حيث حققها من خلال قلمه وريشته ، وهو بأدبه كوّن صلة الوصل بين المتنبي وزرادشت ونيتشه .
كان جبران بصحبة قلمه الفحمي الملون يرسم تمثال الباخوسيّات ويقرأ بشغف ما يقدمه له “فرديناند هولاند” الشغوف بالنماذج الشرقية والذي تعرف اليه في العام 1896 فكان هذا اللقاء فاتحة المستقبل المشرق للعبقري اللبناني ، فقد تفجرت طاقاته مع دواوين الشعر للإنكليزي ومعاجم الميثولوجيات التي قدمها له ” داي ” الذي سهل له التعرف إلى نخبة البيئة البوسطنية ، وأيقظ في أقلامه حس استنطاق بواطن الكتب وتجسيدها في رسوم كان لها دور في شهرته .
كانت الانطلاقة الأولى لجبران في معرض صور فوتوغرافية لصديقه ” داي ” حيث تعرف الى جميلة بوسطن الشاعرة الجميلة المثقفة جوزيفين برستون ، وشجعه داي على رسمها فرسمها وكانت نموذجاً للعديد من النماذج في حالات إلهاماته ، والإنفتاح على شيء يحرك كل طاقاته : الحب ، الرسم ، القراءة الكثيفة ، التأمل ، التحول .. وتبدل مفاهيمه الدينية باتجاه الميثولوجيا المقارنة بين المجتمعات .
كانت الغربة والوطن ومسؤولية الحياة التي كان يعيشها على حساب أسرته … كل ذلك ساهم في نمو الشاعر الضبابي الذي يشد وراءه واقعاً تغييرياً محدوداَ ضائعاً بين الصراعات التي يعيشها ، وقد اكتشفها “داي” ووالدة جبران التي نظمت سفره الى لبنان ليتعلم العربية ، ويكتشف في وطنه الجرح الذي لا يندمل وحواجز العبور والطوائف التي لا تنفك تتحرك دائماً تحت جنح العواصف ، فنما في داخله جنون التمرد وحذاقة العنف .
وفي مدرسة الحكمة اكتشف أستاذه في العربية الخوري “يوسف الحداد ” نفساً وثابة وعقلاً متمرداً وعيناً هازئة بكل ما تقع عليه ، ولم تطل الأيام حتى بدأ يجد طريقه الفكري فراح يكتب مقالات ينقحها الخوري الحداد لتنشر في مجلة النهضة .
تعرف جبران الى ماري هاسكل عام 1904 السيدة الكريمة التي دفعته الى إنماء فنه ومواهبه ، فبرز فناناً كبيراً ولأنها عرفت أن مستوى الفن في بوسطن ليس بقدر طموحه ، دفعته لمتابعة تحصيله الأكاديمي على يد جوليان في باريس عاصمة الإبداع ، ليس هذا فحسب بل أن ماري هاسكل حفّزته على الكتابة بالإنكليزية وصححت له تجاربه الأولى ، وعلى الناي ورنين عود أخيه بطرس والحفلات الموسيقية الووغنرية كانت العوامل التي كمنت وراء كتيب الموسيقى الذي نشره العام 1905 وبعده كرت سبحة المقالات والاقصوصات فصدرت له في عام 1906 ” عرائس المروج ” وفي العام 1908 مجموعة الأرواح المتمردة .
وفي باريس تتلمذ جبران على يد أشهر رسام معاصر هو ” رودان ” كان ذلك سنة 1908 كما تأثر وأعجب بشكسبير وكان يتوق الى تأليف كتاب عنه ، كما أعجب بالشاعر الألماني ” سونيبيرن ” وفي باريس أيضاً اكتشف جبران الفيلسوف نيتشه من خلال قراءته لكتابه ” هكذا تكلم زرادشت ” الذي توجد منه نسختان بالإنكليزية في مكتبته الشخصية في متحفه في بشري ، ولاحقاً اشترى جبران مؤلفات نيتشه بالكامل ، وتأثر جبران بفلسفة القوة في كتاب زرادشت وبدا هذا التأثر في كتاب العواصف ..
عاد جبران من باريس الى بوسطن وفي العام 1912 انتقل الى نيويورك واستقر فيها ، ولم يعتقه النقد فطاله بقساوة ، ولكن رده كان تمرداً عليه ، وفي العام 1914 جاءت معارضه الجديدة تأكيداً على عبقريته واعتذاراً من معارضه السابقة فكانت ولادة الإنسان الجديد المتمرد الثائر الجبار العنيف …
وانغماس جبران بالأدب والرسم لم يصرفه عن الاهتمام بقضايا وطنه السياسية وأغلال العالم العربي التي كانت تمزق وجدانه ، فالثورة على الظلم والضعف والتخلف ، جعلته يصرخ بأعلى صوته منادياً بالحرية وأوجاع بلاده القديمة ظلت تلاحقه ، فإذا به مع أيوب تابت وشكري غانم يؤسسان نواة حزب كانت شاغله السياسي لاحقاً خصوصاً بين عامي 1912- 1920 .
في سنة 1933 انصرف جبران الى التأليف باللغة الإنكليزية بنجاح فريد فأصدر عدداً من الكتب وصل الى الثمانية وذلك خلال ثمانية أعوام ، وكان أهم هذه الكتب كتاب ” النبي ” الذي تأثر بكتاب هكذا تكلم زرادشت فاستبدل زرادشت ب المصطفى .. ولاقى هذا الكتاب شهرة عالمية وهز ضمير العالم العربي والأميركي والأوروبي ببساطته وعمقه والأبعاد التي يوحيها بالإضافة الى دقة تركيب موسيقاه الشاعرية واحتجاجه على أي قيد يقيد الحرية والجمال .
انتشر “النبي” فوصل حتى الى الكنائس وأصبح يدرس في الجامعات الأميركية والعالمية ويتصدر المكتبات بلغاته المتعددة ويعتبر النبي الكتاب الرابع انتشاراً في العالم ، وفي نيويورك تعمق الناس بالنبي وناقشه كتّابهم وفنانوهم وأشهرهم الشاعرة “بربارة يونغ” ، ويقول جبران في إحدى رسائله التي دونتها ماري هاسكل : ” إن كتاب النبي كان محاولة مني لإعادة رسم وجه يسوع .


