السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
28°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

في السياسة العربية، نادراً ما يُجمع الناس على رجل. السياسة هنا غالباً مساحة انقسام، لا مساحة محبة. وحين يرحل مسؤول عربي كبير، تنشغل العواصم عادةً بسرد المناصب والألقاب والإنجازات الرسمية. لكن هناك رجالاً يتركون شيئاً أعمق من السلطة: يتركون أثراً إنسانياً يجعل الناس يشعرون أن الدولة يمكن أن يكون لها وجه دافئ أيضاً.

عبد الله بن حمد العطية كان من هذا النوع النادر.

برحيله، لا تخسر قطر فقط نائب رئيس وزراء ووزير نفط سابقاً ساهم في بناء نهضتها الحديثة، بل يخسر لبنان أيضاً صديقاً حقيقياً أحبّه بمحبة صادقة قلّ نظيرها في عالم السياسة.

لم يكن العطية بالنسبة إلى اللبنانيين مجرد مسؤول خليجي رفيع. كان اسماً ارتبط بصورة الرجل الذي فتح قلبه للبنان كما فتح له أبواب قطر. رجلٌ فهم أن العلاقات بين الدول لا تُبنى فقط بالمصالح والاتفاقيات، بل أيضاً بالاحترام الإنساني، والاحتضان، والشعور الصادق تجاه الناس.

وفي بلد مثل لبنان، حيث يختلف اللبنانيون على كل شيء تقريباً، نجح عبد الله بن حمد العطية في تحقيق أمر نادر: محبة عابرة للطوائف والسياسة والانقسامات. حتى إن كثيرين كانوا يقولون، بنصف مزاح ونصف حقيقة، إنه لو كان يُسمح للقطريين بالترشح للانتخابات اللبنانية، لكان قادراً على الفوز بسهولة. لم تكن تلك مجرد دعابة لطيفة، بل تعبيراً صادقاً عن حجم التقدير الذي حظي به الرجل داخل لبنان وبين اللبنانيين المقيمين في قطر.

ومن بين المحطات التي ستبقى شاهدة على تلك العلاقة الخاصة، مساهمته الأساسية في تأسيس المدرسة اللبنانية في قطر. لم يتعامل مع المشروع كملف إداري أو مبادرة بروتوكولية، بل كقضية إنسانية وثقافية تخص جالية أحبّها وآمن بدورها. ساهم في تأمين الأرض، ورعى المؤسسة، وواكب إنشاءها بإيمان واضح بأن اللبنانيين يستحقون مؤسسة تربوية تحافظ على هويتهم وتمنح أبناءهم شعور الاستقرار والانتماء.

كان يدرك أن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في الغاز والطاقة والبنية التحتية، بل أيضاً في الإنسان والتعليم والعلاقات طويلة الأمد. وربما لهذا السبب بقي قريباً من اللبنانيين، ليس فقط كمسؤول، بل كصديق يعرف كيف يصغي، وكيف يساعد، وكيف يترك أثراً طيباً في حياة الناس.

لقد لعب دوراً مهماً في تطوير العلاقات اللبنانية ـ القطرية في مراحل مفصلية، وساهم في ترسيخ صورة قطر داخل الوجدان اللبناني كدولة قريبة من لبنان، حاضرة عند الحاجة، ومهتمة بما يتجاوز الحسابات الضيقة.

وفي عالم عربي باتت السياسة فيه قاسية وباردة ومثقلة بالصراعات، يبدو رحيل شخصيات مثل عبد الله بن حمد العطية تذكيراً نادراً بأن بعض رجال الدولة استطاعوا أن يجمعوا بين النفوذ والإنسانية، بين القوة والتواضع، وبين الموقع الرسمي والمحبة الحقيقية.

برحيله، تطوي قطر صفحة أحد رجالاتها الكبار الذين رافقوا مرحلة التحول الكبرى للدولة، من دولة خليجية صاعدة إلى لاعب عالمي مؤثر في الطاقة والسياسة والدبلوماسية. لكن بعض الرجال لا يُختصر إرثهم بالمناصب التي شغلوها، بل بالمحبة التي تركوها خلفهم. وهذه ربما كانت أعظم ثروة امتلكها الرجل.

سيبقى اسم عبد الله بن حمد العطية في ذاكرة كثير من اللبنانيين مرتبطاً بصورة الصديق الوفي، والرجل الذي أحب لبنان من دون ضجي

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...

كوزو أوكاموتو الرجل الذي أحرج العرب ، الآتي من خلف البحار لنصرة فلسطين، رحل.

عام 1972، كان كوزو أوكاموتو شابًا يابانيًا في ربيع العمر، في الخامسة والعشرين من عمره. ترك بلاده وأهله، والتحق مع اثنين من رفاقه: تسويوشي أوكودايرا ياسويوكي ياسودا وبقدر ما يصعب...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...