قرأت بيان جمعية اللجان الأهلية بكثير من التضامن مع مضمونه، والأكثر من ذلك بكثير من الاستهجان للأمل بجدوى الشكاوى في ملف كملف المولدات والاشتراكات، وهو أيقونة ملفات الفساد ونموذج عنها بكل أبعادها.
وهو أيضًا رمز للوحدة الوطنية في إطارها السلبي، أي بين كل مكونات الوطن على اختلاف أطيافهم ومذاهبهم وأحزابهم.
أولًا: إن ملف الكهرباء، الذي كلّف خزينة الدولة ما يقارب الثلاثين مليار دولار، وتعاقب عليه وزراء من مختلف الانتماءات، وبقيت الوعود هي الحاكمة، ليس إلا دليلًا على أن القرار هو إبقاء الحال على ما هو عليه، لأن مغارة علي بابا لها أبواب للجميع.
وتكفي الإشارة إلى شركة كهرباء زحلة التي كانت تؤمن الكهرباء 24/24، فكان نصيب محولات التغذية التخريب، وصولًا إلى إطلاق النار عليها، لأن القرار هو تدمير كل ما يسمى كهرباء الدولة.
ثانيًا: بعيدًا عن مدى قانونية ما بات يُعرف بملف المولدات، والذي تجاوز حدود الأضرار البيئية ورفع فاتورة الدولة الصحية نتيجة ما تنتجه عوادم المولدات من سموم، فإن استباحة واستخدام خطوط إمداد الكهرباء الخاصة بالدولة، من أعمدة وهواء وحتى الأرصفة، من قبل أصحاب المولدات، يشكل عنوانًا آخر من عناوين قوة مافيا المولدات في وجه الدولة، إن وجدت.
ثالثًا: إن عملية التسعير التي تتم عبر وزارة الطاقة إنما هي عملية شرعنة لهذه المافيا التي أصبحت تتحكم في رقاب المواطنين وكرامتهم. وعدم الالتزام بالتسعيرة يدل على مدى استخفاف مافيا المولدات بالجهة المشرفة.
بل إن بيروت الإدارية تشهد أكبر عملية تفلت، فبعيدًا عن السرايا الحكومية بمئات الأمتار فقط، هناك عشرات المولدات التي لا تلتزم بتركيب العدادات، بل يتم بيع اشتراك 5 أمبير بما بين 200 و250 دولارًا، كلٌّ بحسب جشع صاحب المولد نفسه.
والمفارقة أن أصحاب مولدات الضاحية الجنوبية، في مناطق الحارة والبرج والشياح والغبيري، يلتزمون بتركيب العدادات، في حين تتمرد مناطق كالبسطة وسليم سلام ورأس النبع وبربور على القرار.
أخيرًا: عشرات آلاف المولدات في لبنان، أصحابها جنوا ثروات هائلة وطائلة، ويتحكمون برقاب العباد، ولا يوجد من يشتكي الناس إليه. فسياسة هؤلاء ترتكز على شراء الذمم، فكل صاحب مولد يقف وراءه تنظيم يحميه في منطقة نفوذه، ولتحقيق هذه الغاية يتم تأمين الاشتراك مجانًا أو شبه مجاني للنافذين الحزبيين والشخصيات الدينية والزمنية، لقاء غض الطرف عن شكاوى الناس. بل قد يصل الأمر، ومستوى وقاحة بعضهم، إلى الإشادة بصاحب المولد الذي “حل لنا مشكلة الكهرباء” من خلال مولده.
هذا هو بلد السيادة الذي تحكمه عصابة.


