في مثل هذا اليوم من عام 1952 عبرت الأمة العربية كلها إلى المستقبل حين تحركت طلائعها في مصر لاستلام السلطة، ولوضع هذا البلد العربي المركزي في مكانه الصحيح، المكان الذي فرضته عليها الجغرافيا السياسية كما فرضه العمق الحضاري والتاريخي، فتقدمت لحمل مهمة الخروج بهذه الأمة من موقع التشتت والتبعية والتخلف إلى موقعها الطبيعي حيث الوحدة، والقوة، والتقدم، والمسؤولية القومية، والإنسانية.
كانت المهمة مكلفة، والمسؤولية ثقيلة، والتحديات والعقبات كثيرة جدا، وبدت لكثيرين أنها فوق الطاقة: طاقة أي بلد، وأي قيادة، وأي فكر ورؤية. لكنها بالنسبة لرجالات 23 تموز / يوليو كانت مسارا لا بد منه، ومسؤولية لابد من تحملها، وإلا فليس هناك شيء يمكن القيام به، ليست هناك أنصاف حلول، ولا أنصاف معارك، ولا أنصاف خطوات.
القضية عند رجالات ثورة يوليو لم تكن مصر، وإن كانت مصر في القلب من كل تحرك، وعلى عاتقها تقع كل مسؤولية، وكل تكلفة، وكل تضحية، وهي عندهم ـ وكذلك كانت على طول المسار التاريخي الذي شهدته مصر والمنطقة ـ، لم تقف القضية عند مصر، لكن مصر كانت هي البداية، ومن حولها كانت الأمة والمنطقة، بل ورسم خريطة الجزء الأكثر حيوية من العالم.
وبسبب هذا الإدراك بشموله وعمقه، كانت الحاجة ماسة إلى حامل اجتماعي ينهض بها، وليس هناك أقدر ولا أقوى من “قوى العمل الرئيسية” في المجتمع على حمل عبء هذه المهمة، ودفع ثمن هذه المجازفة بل المغامرة، نعم المغامرة، لأن ما يحيط بهذه المهمة من مخاطر يسمح بوصفها مغامرة، لكنها المغامرة التي لابد منها، من أجل ذلك كان لابد من تحرير قوى العمل من كل الظروف السيئة التي كانت تكبل حركتها من الفقر والجهل والتخلف والانعزال والعزوف عن العمل الجماعي، وقد أصابت الثورة كبد الحقيقة حينما استندت إلى هذه القوة الشعبية الهائلة التي كانت تختزن أكثر من 95 بالمائة من طاقة المجتمع وقدراته الفعالة.
ولأن مصر كانت قاعدة الانطلاق لقوة خلاقة تستهدف الوطن العربي كله، تحريرا وتنمية وقوة وعلما وازدهارا، فقد تحركت الأمة العربية كلها في المعارك التي استهدفت تحقيق هذه الأهداف، فكان تحرير البلدان العربية من الأشكال المختلفة للاستعمار وقواعده وأحلافه، وبذلك كانت 23 يوليو حاضرة في كل بيت عربي، وفي كل إنجاز عربي، وفي كل مظهر من مظاهر القوة والنماء العربي.
وكان طبيعيا لمصر التي استحضرت معها حقائق المكان والزمان والبعد الحضاري والروحي، والتي احتضنت أمتها، أن يكون لها حضورها وإنجازها على المستوى الدولي في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وفي مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
وفي هذا المسار كله: الوطني والقومي والإنساني والإسلامي جاء الالتزام بالقضية الفلسطينية بمثابة الاختبار الدائم والمستقر على صحة التوجه وصدقه، ذلك أن ثورة يوليو كما أدركت المكانة الخاصة لمصر في جغرافيتها السياسية وبعدها الحضاري والروحي، أدركت المكانة الخاصة لفلسطين في اختبار صدق وصحة هذا التوجه، ومن هنا صارت “المسألة الفلسطينية” مسألة وطنية مصرية، كما هي مسألة عربية وإنسانية وإسلامية. وصار الموقف من المشروع الصهيوني أساس لابد من الاستناد إليه في اختبار مصداقية أي موقف أو طرح أو رؤية.
وكما أدركت الثورة هذا المسار بأبعاده المختلفة، أدركت أهمية امتلاكها القوة بكل أشكالها، وفي المقدمة منها “القوة العسكرية” اللازمة لحماية هذا المسار، فالتقدم بمختلف أشكاله، والسلام والأمن الوطني والقومي والإقليمي، يحتاج إلى قوة تحميه وتوطد أركانه، و”امتلاك القوة” سُنة ثابتة من سنن الاجتماع الإنساني، أدركتها الثورة مبكرا، وهي سنة أكدها كتاب الله، كما أكدتها التجربة الإنسانية في كل زمان ومكان، وهي مؤشر حاسم على صدق وجدية أي توجه تعتمده قوى التغيير في أي مجتمع وفي أي زمان.
كان هذا قَدَر ثورة 23 يوليو، وقدر مصر، وهذه حالة لا خيار فيها، فلا تقدم لمصر ولا استقرار لها، ولا تنمية، ولا تحرر، إلا في هذا الإطار، وإلا من خلال تحملها مسؤولية هذا المشروع كله، وصار هذا هو المعنى الحقيقي للناصرية.
لذلك صار حقيقيا أن الناصرية هي وصف لمصر في مرحلة النهوض والتعافي، مهما كانت القوى أو الشعارات المطروحة.
الناصرية هي مصر الدور والمكانة والمسؤولية، وهي أثر هذا الدور في محيطها العربي والإسلامي والدولي، هي التحرر، والعدالة، هي الالتزام بفلسطين، وبتصفية كل قواعد الاستعمار الاستيطاني والعنصرية في أي مكان في العالم، هي أن تكون النظم القائمة معبرة عن إرادة شعوبها، وتطلعها للأمن والتعاون والسلام العالمي. وهي التزامنا في أن نسير في هذا الطريق ونحن نملك القوة لتحقيق تلك الأهداف، وهي أهدافنا على اختلاف وتباين أقطارنا وأقاليمنا.
هذه هي الناصرية التي أرادت أن تجسدها ثورة 23 يوليو، وهذه هي الناصرية التي ننتمي إليها ونريدها.
أما النظام السياسي والاجتماعي الذي قدمته التجربة الناصرية، فهو أمر يمكن مراجعته باستمرار، كان الأمر كذلك زمن جمال عبد الناصر، وهو كذلك دائما، لأن النظام يخضع لشروط الزمان والمكان ومتغيراته، شأنه في ذلك شأن نظام دولة “الوحدة العربية”، فالمهم في هذه المسألة هو توفر السيولة والمرونة الثقافية والاجتماعية لشعوب الأمة العربية عبر كل أقطارها بما يوفر لها الأمن والتقدم والاستقلالية تجاه كل ما يحيط بها من أخطار، أما كيف تكون وحدة هذه الأمة فهذا أمر يخضع لظروف كل مرحلة.
إن الناصرية تريد دائما ” قوة الوحدة”، لأنها ضرورة لتحقيق أهداف التقدم والاستقرار والأمن والاستقلالية للأمة كلها، ومن أجل قوة الوحدة تُدفع أثمانٌ غالية، وقد كان، ودفعُ الأثمان هنا لا يقتصر على تطلعنا نحن العرب للوحدة، وإنما هو قاعدة عامة وسنة راسخة، تحكم كل عمل وحدوي، إذ لا بد من أثمان تُدفع لتحقيق وحدة توفر التقدم والأمن والاستقرار والاستقلالية لأطرافها، والناصرية التي تتطلع لتحقيق “قوة الوحدة”، لا تتطلع لتحقيق “وحدة القوة”، لأن من شأن مفهوم “وحدة القوة” أن يقود إلى الطغيان والتسلط والاستبداد.
لقد عاشت الأمة أياما مجيدة تحت راية الناصرية، وخاضت ومعها الأمة العربية كلها معارك لم تهدأ يوما ما، انتصرت في الكثير منها، وانهزمت أيضا، وكانت المعارك والحروب مع أعداء الأمة سجال، لكن إرادة التحدي والاستمرار والتمسك بالأهداف لم تتوقف ولم تنقطع، ومعها لم يتوقف ” الحامل الاجتماعي ” لثورة يوليو على امتداد الجغرافيا العربية من تقديم الدعم دائما وبلا حدود وفي أعسر وأصعب المواقف، وفي أكثر الأيام سوداوية، في تأكيد عزيز وغال على استمرار التمسك بالثورة وأهدافها في مواجهات الهزائم والنكسات التي منيت بها، وكان معظمها بفعل التآمر والتخريب الداخلي المعزز بجهود إقليمية ودولية، حتى نجح هؤلاء من تحقيق النصر على الثورة وقواها إثر رحيل قائدها جمال عبد الناصر. ونجحوا تدريجيا في تصفية منجزات الثورة المادية والمعنوية، كما تمكنوا عبر سياسات اجتماعية واقتصادية داخلية وإقليمية ودولية من تفتيت القوى الاجتماعية التي استندت عليها الثورة في معاركها، ومنذ ذلك اليوم ونحن نعيش حالة من التراجع والانهيار.
في كل يوم يمر، نبتعد أكثر عن روح ثورة 23 يوليو، وبالتالي عن أهداف تلك الثورة وأسسها الموضوعية والذاتية. نبتعد عن الانتماء الوطني والقومي والروحي، وعن البعد الإنساني، وعن التماسك الحضاري.
في كل يوم يمر تزداد عطالة مصر عن القيام بدورها، وفي كل يوم تظهر خطورة التخلي عن القضية الفلسطينية: الأرض، والشعب، والمقدسات، والمقاومة، والتخلي عن القيم الإنسانية التي تختزنها القضية الفلسطينية والمتمثلة في الالتزام بتصفية هذا الجيب الاستيطاني العنصري الوحيد الباقي في العالم.
في كل يوم يبدو النظام العربي الذي تخلى عن الحق في امتلاك القوة ومصادرها أكثر تبعية وخضوعا للطغاة في العالم يمثلهم راهنا النظام الأمريكي، والمشروع الصهيوني.
في كل يوم يمضي يفتقد “المواطن العربي” في أي بلد كان الإحساس بالأمان، الأمان تجاه المستقبل، وتجاه الاستقرار في بلده، وتجاه فرص الإبداع والتقدم في وطنه، وهذا مترافق مع نمو مرضي وغير طبيعي للطائفية والاستبداد والفساد وتغول أجهزة الأمن.
في كل يوم نبتعد عن 23 يوليو يشعر المواطن العربي في كل أقطاره بأن الأرض تحته لا تتمتع بصفة الثبات، والثبات صفة لازمة لولادة مفهوم “الوطن والمواطنة”، وبأن الجغرافيا تحت أقدامه “سائلة” تكاد تتسرب من كل جانب، وأن مفهوم “الوحدة الوطنية والجنسية الوطنية” يتفتت، كما الجغرافيا، بدعاوى زائفة، أو غير عاقلة، لحقوق الأقليات والمكونات العرقية والدينية، وهي دعاوى فشلت قوى الاستعمار في استثمارها يوم كانت تحتل بلادنا، لكنها نجحت بعد ذلك بفعل تلك “الأنظمة الوطنية” التي فشلت في استثمار الاستقلال بالاتجاه إلى وحدة الأمة، ونحن نرى هذا المشهد مكتملا، قد أعطى ثماره الخبيثة والمشوهة، أو هو في طور الاكتمال، من المغرب العربي إلى سوريا ـ التي تحاول أن تتعافى من المرحلة الأسدية ـ والعراق ولبنان، ومن السودان إلى ليبيا واليمن ومصرُ في هذا السياق دائما مستهدفة.
في كل يوم نبتعد فيه عن 23 يوليو نتابع بقلق شديد، تصاعد محاولات بائسة لكن دؤوبة لتحويل “الإسلام”، ـ وهو المكون الديني والروحي والتاريخي لأمتنا ـ، إلى أداة تفتيت وتمزيق لفكر الأمة ووجودها وتاريخها ورؤيتها الحضارية، ورجالاتها، ومعاركها، ومقدساتها بأوجهها المختلفة، بعد أن كان ـ وهو كذلك عبر تاريخها كله ـ أداة بناء لهذه الأمة، والمسار الأهم لمحافظتها على وحدتها وتماسكها في وجه كل المخاطر التي اعترضتها من سابق، وحتى العصر الحديث. وسبيلهم في ذلك “مراجعات، وتصحيحات، وتبديعات، وطعون، وصراعات مذاهب.. الخ” يساهم فيها خلق كثير ممن يتخذون من وسائل التواصل الاجتماعي ميدانا لهم، كفرسان مزهوين بما يقومون ويقدمون، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا، ولو أخلصوا في النظر والسمع والإدراك لعلموا من يقف خلف هذه الجهود ومن يشجعها ويرعاها.
في كل يوم نبتعد عن 23 يوليو نبتعد كأمة عربية عن مسار القوة، والوحدة، والعدل، والتقدم. ونفقد الفرص والإمكانات والبيئة الإقليمية والدولية المساعدة على النهوض.
والسؤال الذي يطرح نفسه، هل هناك فرصة لوقف هذا المسار؟
يبدو أن هذا السؤال سيبقى مطروحا لوقت طويل.


