كانت سوريا مهداً لحضاراتٍ لا تُنسى وديانات لم تُغلق وحضارات لم تَذُب ، من مملكة ماري الى تدمر من الأراميين الى الأمويين ، من الحثيين الى العرب ، لم تكن سوريا يوماً أمةً من لون واحد ، بل فسيفساء تعيش وتتنفس على أرض واحدة ، ثمانية عشرة طائفة دينية ، اثنتي عشر مجموعة عرقية ، سبعة لغات محكية ، كلها تجتمع في بلد واحد مساحته أقل من نصف فرنسا … عام 1920 بعد دخول الفرنسيين دمشق مدعين حماية المسيحيين دخل فارس الخوري الى المسجد الأموي وجلس فيه أسبوعاً كاملاً يقرأ القرآن ثم قال في خطاب له :
” أنا مسيحي بالمذهب …مسلم بالوطن ” ليؤكد ان سوريا لا تُحمى بالطوائف ، بل بوحدة أبنائها هو نفسه الذي أصبح لاحقاً رئيساً للوزراء ، ووزيراً للأوقاف الإسلامية ، وفي الجنوب قاد سلطان الأطرش الدرزي عام 1925 واحدة من أعظم الثورات ضد الاستعمار ، رافضاً كل العروض لإقامة دولة درزية منفصلة قائلاً : ” لا استقلال لجبل العرب وحده ، الاستقلال إما أن يكون لسوريا كلها أو لا يكون ” ، حتى الأكراد شاركوا في كل الثورات ضد العثمانيين والفرنسيين ، فكلهم آمنوا بسوريا واحدة موحدة لكن الحلم تحطم على صخرة السياسة .
22 مليون سوري قبل الحرب أصبحوا اليوم أقل من 17 مليون داخل البلاد ، وأكثر من 6 ملايين لاجئ يعيشون في الشتات ، وعدد المسيحيين تقلص من مليونين الى أقل من 300 ألف ، بينما 30% من الأراضي السورية ما تزال خارج سيطرة الحكومة في دمشق ، من ممالك الآراميين الى الدولة الأموية الى إيالة العثمانيين الى انتدابٍ فرنسي … كل حقبة تاريخية أعادت رسم حدود سوريا ، وكل مرة كانت سوريا تجد طريقة لاحتضان التنوع ، لكن خلال 15 عاما من الحرب تغيرت خريطة سوريا كثيراً .
الأكراد يسيطرون على الشمال الشرقي ، تركيا تسيطر على الشمال ، وإسرائيل تتوسع جنوبا ، وأميركا تبقي قواتها شرقا ، وروسيا تحتفظ بقواعدها غربا ، وفي الوسط حكومة بقيادة أحمد الشرع تحاول جمع قطع الأحجية ، وكل قطعة تبدو أنها تنتمي الى لغز مختلف ، بالأمس رفض الساحل الحكومة الجديدة وأعلن العصيان ، اليوم السويداء تشتعل بين مؤيد ومعارض للاتفاق مع دمشق ، وغداً لا نعرف أي منطقة ستكون المحطة التالية في رحلة التوترات .
سوريا التي علمت العالم فن العيش المشترك لخمسة آلاف عام تتعلم اليوم كيف تعيش مع نفسها ، رغم أن التاريخ بشواهده يؤكد أنه عندما وحد السوريون صفوفهم ، هزموا أعظم الامبراطوريات من أوغاريت الى الثورة الكبرى .. فسوريا أعطت العالم أول أبجدية في العالم وهي ” الأوغاريتية ” ، وأول نوتة موسيقية في العالم ، وأول شريعة مكتوبة في العالم ” نقوش ايبلا ” من أقدم النصوص القانونية السورية ، وعاصمتها دمشق أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ البشري .
عاصمة الإمبراطورية الأموية التي ضمت خمسين مليون نسمة ، من أعراق وديانات مختلفة … هل ستنجح في كتابة أول عقد اجتماعي مشترك حديث ، يوحد السوريين كل السوريين تحت سقف واحد ؟ .
وكل من يقول سوري أنا سوري يا خيي يجتمعون كلهم تحت سقف واحد .


